First Published: 2016-02-05

الزلزال النفطي: نعم القرار سياسي!

 

الهدف الأساسي من خفض اسعار النفط يتجاوز المماحكات القصيرة الأجل، ويذهب لمحاكاة ما هو إستراتيجي طويل الأمد يتعلّق بالأمن الإستراتيجي للسعودية ودول الخليج.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

لن يتوقف السجال الراهن حول ما يقف ومن يقف خلف انهيار أسعار النفط في العالم. وفي تمرين السجال تتدخل المؤسسات الإقتصادية والمالية العالمية الكبرى، فتعرض بالأرقام والإحصاءات لأحوال السوق في ثنائيته البسيطة بين منتجين ومستهلكين، بين عرض وطلب، كما تقاربُ مستويات النمو والإنكماش التي تسجّل هنا وهناك، والتي تتداعى مباشرة على سوق الهيدروكاربونات (جي بي مورغان توقع لسعر برنت في هذا العام 31.25 دولارا للبرميل، فيما توقع ستاندرد تشارترد 36 دولاراً للبرميل). وفي نفس التمرين أيضاً يتدخل العامل السياسي والجيواستراتيجي لتفسير الأسباب المباشرة التي تلعب بأسواق الذهب الأسود. وفي ما بات لازمة تتناولها التحليلات المتعجّلة، يتكرر الكلام الملتبس عن سعيّ أميركي سعودي لخفض سعر برميل النفط نحو مستويات مؤذية لإقتصادات إيران وروسيا. لا تمثّل تلك الرواية رأيا أو تحليلاً، بل هي نتاج تصريحات رسمية مباشرة صدرت منذ أشهر عن طهران وموسكو تتهم الرياض وواشنطن بـ "التآمر" لممارسة ضغوط هدفها تدجين القرار السياسي في البلدين "المعاندين".

وما بين الأسباب الموضوعية والسياسية يفيض النفط في العالم وينخفض سعره إلى ما دون الـ 30 دولارا للبرميل بعدما وصلت أسعاره إلى ما يقارب الـ 130 دولارا في عام 2014. وبعملية حسابية بسيطة بالإمكان إدراك حجم الخسائر التي يمنى بها المنتجون وحجم الوفورات التي ينعم بها المستهلكون. ولئن لم تسجل الإقتصادات العالمية انتعاشاً نوعياً لافتاً جراء انخفاض الفاتورة النفطية، بدا أن إنخفاض أسعار النفط أفصح عن وجع لدى الدول المنتجة، على ما تشير إليه التدابير الإقتصادية التي اعتمدتها دول الخليج، وما يعكسه تدهور سعر الروبل الروسي مثلاً.

وإذا ما كان من هدف سياسي يقف وراء إغراق السوق بإنتاج يخفّض من القيمة السوقية لبرميل النفط، فإن إيران، التي تستعد للعودة إلى السوق والموعودة بالإفراج عن أرصدتها المالية في العالم، لم تعد تطالب بالضغط على حصص المصدّرين تجنباً لأن يطال هذا الضغط حصتها في السوق، فيما تتعامل موسكو مع الأمر تعاملاً تقنياً، تجرده من ألغامه السياسية، فلم تعد بدورها تساجل في الأمر ضد الرياض وواشنطن، لا بل تضع زيارة أمير قطر الأخيرة لموسكو في إطار "مناقشة أحوال السوق بين المنتجين".

يكابرُ فلاديمير بوتين وينفي أي تداعيات لحربه في سوريا على إقتصاد بلاده، ويضع كُلٓف تلك الحرب ضمن الميزانية العادية لتدريبات الجيش الروسي. يقدّم سيّد الكرملين روايته تلك متزامنة مع الموسم الحالي للإنخفاض الحاد في مداخيل روسيا من النفط والغاز، على ما يفيد أن روسيا غير متأثرة بالمزاج السلبي للسوق للدرجة التي قد تتداعى على خيارات موسكو السياسية. تتواكب أزمة الأسعار مع تواصل في علاقات روسيا والسعودية وحرص ثنائي متبادل على تطوير علاقاتهما الإقتصادية الواعدة، على رغم من خلافهما المعلن حول الشأن السوري، بما يعكس إسقاط موسكو للعامل السياسي، ولمسؤولية الرياض في خفض أسعار النفط.

ينهي انخفاض الأسعار، في المدى المتوسط والطويل عرس تحوّل الولايات المتحدة من بلد مستورد إلى بلد مصدّر للنفط في العالم. بشّرت تقارير متخصصة كثيرة بالنفط الصخري بديلاً عن ذلك التقليدي المنتج في العالم. تحدث الخبراء عن إستغناء الأميركيين عن نفط الخليج مع ما يواكب ذلك من تراجع اهتمام واشنطن بالمنطقة، ما أثار ذلك قلقاً لدى دول مجلس التعاون الخليجي على مستقبل السوق النفطي طبعاً، وعلى مستقبل علاقة المنطقة بإستراتيجيات الأمن التي ستعتمدها إدارات البيت الأبيض في المستقبل.

ولئن تشكّل إيران أخطاراً آنية على أمن الخليحيين يصار إلى مواجهتها بتكتيكات آنية، فإن ازدهار قطاع النفط الصخري يمثّل كارثة إستراتيجية على موارد دول مجلس التعاون، كما على موارد كافة الدول المنتجة للنفط التقليدي في العالم. نمت صناعة النفط الصخري وفق مشهد سوق ذي سعر يتجاوز الـ 100 دولار للبرميل، ذلك أن كلفة انتاج برميل النفط الصخري تتراوح ما بين 50 و60 دولار، ما يجعل من الإنتاج مجدياً. ولا ريب أن تلك الصناعة ستعلّق دينامياتها وفق أسعار السوق الحالية، على ما يمكن أن يفسّر منطقياً العامل الحقيقي الذي يحفّز السعودية على انتهاج سياستها الحالية في الإنتاج، وعلى ما يفسّر أيضاً تراجع الإعتراضات من قبل بقية الدول المنتجة، بما في ذلك إيران وروسيا.

وفق ذلك المنطق ستسقط نظرية إمساك واشنطن بأسعار النفط في العالم والتي سادت منذ ثمانينات القرن الماضي. فإذا ما كانت الولايات المتحدة في ثمانيات القرن الماضي قد اتفقت مع السعودية على إغراق السوق النفطي بما يُسقط سعر البرميل إلى عتبة تقل عن العشر دولارات في إطار الحرب ضد الإتحاد السوفياتي في أفغانستان، فإن البلدين لا يخوضان تلك الحرب ضد روسيا، رغم خلاف المقاربات في سوريا، لا بل أن واشنطن والرياض يتعايشان مع الجهد الروسي في سوريا من جهة، ولا مصلحة لهما في التسبب بإنهيار للنظام الروسي على منوال ما أصابه قبل ذلك حين كان سوفياتياً.

وفي ما أعلنته دول خليجية من تدابير اقتصادية لتعويض النقص في الوفورات التي سببتها الأزمة النفطية، ما يجعل من تلك البلدان طبيعية في سلوكها عادية في إدارتها للشأن الإقتصادي يخرجها من تلك الإستثنائية العجيبة في المشهد الدولي العام. تتخذ حكومات الخليج قرارات متأخرة، سبق أن اعتمدتها دول العالم منذ عقود. سيكون على المواطن الخليجي التأقلم والإعتياد على أبجديات الاقتصاد الرأسمالي الليبرالي من رفع للدعم عن السلع والخدمات ومن فرض لضرائب مباشرة وغير مباشرة ومن انتهاج سياسات تقشف توقف سلوكيات تبذير غير مبررة. وسيكون على الماكرو اقتصاد تفعيل موارد غير نفطية تخفف من اعتماد تلك البلدان على مزاجية سوق النفط في تقرير يومياتها ومستقبلها (تجدر في هذا الصدد مراقبة برامج الإمارات المعلنة هذه الأيام).

وفيما تعتبر الخصخصة إحدى الدعائم الأولى للإقتصاد الليبرالي، وفيما تلك العملية كانت وما زالت الأداة الأولى ومن الأبجديات الأساسية لترشيق الإقتصادات في العالم، قوبل إعلان وليّ وليّ العهد السعودي عن خصخصة بعض أنشطة شركة أرامكو الشهيرة (إلحاقاً لما أُعلن في وقت سابق عن خطة "التحول الوطني" لخصخصة قطاعات إقتصادية أخرى لا سيما المطارات) بردود فعل مفاجئة ومتفاجئة. فمجرد أن ينمّ ما كشفه الأمير محمد بن سلمان للـ "إيكونوميست" عن إستعداد الرياض لتخفيف قبضتها عن تلك الأيقونة التاريخية السعودية، حتى يسيل حبر كثير في السعيّ لتقييم العافية الإقتصادية للملكة في موسم إنهيار أسعار النفط (بلغ العجز في ميزانية المملكة 15 بالمئة العام الماضي).

أياً تكن أسباب انهيار السوق النفطي، فإن السعودية ودول الخليج تواجه الأمر بصفته ثابتاً من ثوابت السوق وليس أمراً عرضياً خلقته وقائع سياسية وتنهيه وقائع سياسية أخرى. قد لا يحتمل المنتجون بقاء الأسعار في مستوياتها الراهنة أو انزلاقها إلى أقل من ذلك، لكن السوق لن يعود إلى مستوياته الاستثنائية السابقة التي سجّلت في عام 2014، ذلك أن إيران التي تعتمد ميزانيتها على 70 بالمئة من إيرادات النفط، تعود للسوق وتروم استعادة حصتها داخله (3.8 برميل)، فيما يتشارك كل المنتجين داخل وخارج الأوبيك (التي تسيطر على 40 بالمئة من السوق فقط) في السيطرة على قطاع النفط الصخري والتحكم بكمية انتاجه بما يسمح بإزاحته أو التعايش مع إطلالاته.

نعم قرار خفض أسعار النفط قد يكون سياسياً، ونعم قد يكون ذلك القرار يروم في أحد جوانبه الفرعية الضغط على الموارد المالية للخصوم، لكن الهدف الأساسي يتجاوز المماحكات القصيرة الأجل، ويذهب لمحاكاة ما هو إستراتيجي طويل الأمد يتعلّق بالأمن الإستراتيجي للسعودية ودول الخليج. وإذا ما صحّ ذلك، وإذا ما ثبت أن ميزان الأسعار يتحدد في الرياض، فذلك يعني ان الإدارة السعودية ماضية في خيارات مستقلّة لصون مصالحها، على منوال القرارات التي أطلقت "عاصفة الحزم" في اليمن أو تلك التي تتبنى المواجهة مع إيران أو تلك التي تعتمد البراغماتية اللافتة مع روسيا (وحتى التنسيق معها لخفض الانتاج على ما أُعلن مؤخراً)، حتى لو بدا ذلك نفطياً وسياسياً معانداً لمزاج الحليف التاريخي في واشنطن.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
لا إصلاحيون في إيران.. نعم لرئيس محافظ!
2017-05-01
هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟
2017-04-28
نعم مارين لوبن تقترب جدا من أبواب الاليزيه!
2017-04-21
روسيا ترد على الغرب بدبلوماسية 'قلة الفهم'!
2017-04-14
توماهوك الشعيرات: قراءة بيتية أميركية!
2017-04-10
المزيد

 
>>