First Published: 2016-02-08

العراق بلد الخنادق المتقاطعة

 

بالنسبة لكثير من العراقيين لم يعد هناك معنى لأن يكون المرء عراقياً. العراق الجديد الذي صنعته الولايات المتحدة مستعينة بخبرات الشر الايراني بالنسبة لهم هو مكان للعيش ليس إلا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

صبيحة يوم التاسع من نيسان عام 2003 اختلف العراقيون في ما بينهم. كانت الدبابات الاميركية تسحق آخر أثر للدولة الوطنية الحديثة في العراق التي أقيمت في عشرينات القرن الماضي فيما أنشغل العراقيون في بناء سقائفهم التي ستكون في ما بعد مراكز لتجميع نفايات أفكارهم التي تنتمي إلى عصر ما قبل الدولة.

اختلف العراقيون في النظر إلى ما جرى لهم ولبلادهم. وكان ذلك الاختلاف دليلا قاطعا على ضعف القواسم الوطنية المشتركة التي يُفترض بها أن تكون أكبر من كل اسباب الفرقة والاختلاف القائمة على اساس الانتماء العائلي والقبلي والمذهبي والعرقي.

في الدولة الحديثة وبعد أن اكتمل مفهوم الوطن بصيغته السياسية وجد البشر في الاحتماء بالوطن بديلا مثاليا، هو أكثر سعة من كل الكيانات القديمة التي كانت غالبا ما تضيق بدلا من أن تتسع، كما هي الحال مع الجهة والعائلة والقبيلة.

غير أن العراقيين وقد سبق لهم وإن اختلفوا على توصيف الغزو الاميركي، هل هو احتلال أو تحرير، كانوا قد ولوا أدبارهم لزمن الدولة الوطنية وصاروا يبحثون في نفايات العهد العثماني عما يختلفون عليه.

لم تكن فكرة أن يكون المرء سنيا أوشيعيا في العراق جديدة.

كان العراق هو الموقع الذي خرجت منه الملل والنحل التي كان عراقيو العصر الحديث في منجى عن تدعاياتها. لم يكن العراق سنيا بالرغم من أن ملوكه ورؤساء جمهوريته قبل أن يقع الاحتلال كانوا من أتباع المذهب السني.

كما أن هناك الكثير من الكذب في ما يتعلق بالمظلومية الشيعية.

لم يختلف العراقيون يوما ما على حقوقهم المدنية. لم تكن الدولة وهي كيان تجريدي معنية بدين المرء أو مذهبه. بعد زمن طويل سيكون علينا أن نكتشف أن معيار المواطنة لم يكن يعجب احزابا كانت قد قررت أن توزع العراقيين حسب انتمائهم الطائفي.

حين وقع الاحتلال الاميركي صمت الشيعة لأن مرجعيتهم الدينية كانت قد وجدت في ذلك الاحتلال مناسبة للاستيلاء على السلطة. ستكون السلطة بيد الشيعة بالرغم من أنها لم تكن في الماضي بيد السنة.

وإذا ما تماهينا مع خيال المرجعية الشيعية فإن العراقيين الذين قاموا الاحتلال كانوا سنة بعثيين. كما لو أن البعث كان اختراعا سنيا. كان مسيئا للشعب العراقي أن يُقال إن مقاومة الاحتلال كانت سنية.

السؤال الآن "هل ربح العراقيون شيئا من خلافاتهم"؟

كان لديهم بلد موحد "من زاخو لحد الكويت" الآن لا يفكر العراقي سوى في المنطقة التي تقع عليها قدماه. لا تعنيه زاخو التي هي جزء من دولة الاكراد ولا الكويت التي لا تزال تستلم تعويضاتها من دولة سلمها الفساد إلى الافلاس.

شبح التقسيم يقيم في رؤوس العراق كما لو أنه الضيف الذي قرر الاستيلاء على البيت من غير أن يقاومه أحد.لقد عملت الاحزاب الحاكمة باسم الطوائف والاعراق على تطبيع ما ورد في دستورها من فقرات تنص على أن العراق هو بلد مكونات وليس لشعبه هوية موحدة.

وهكذا فإن ما حطمه الفاسدون من العراقيين يكاد يتفوق على ما حطمه الغزاة.

لقد حطموا شعبا حين سلموه إلى الاكاذيب التي نزعت عنه القدرة على أن يتعرف على نفسه أو يُعرف بها.

بالنسبة لكثير من العراقيين لم يعد هناك معنى لأن يكون المرء عراقياً.

العراق بالنسبة لهؤلاء هو مكان للعيش ليس إلا. إن صغر أو تجزأ أو تفتت ذلك المكان فإن ذلك الامر لن يكون مهما بالمقارنة مع اهمية ألا تفقد المحميات جاهزيتها في الدفاع عن النفس.

العراق الجديد الذي صنعته الولايات المتحدة مستعينة بخبرات الشر الايراني ليكون بديلا للعراق التاريخي هو بلد الخنادق المتقاطعة التي يتمترس خلفها امراء الحرب الذين اتخذوا من فقرائه تروسا بشرية.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
حماقات اردوغان
2017-03-16
خذو عيني شوفو بيها
2017-03-15
المزيد

 
>>