First Published: 2016-02-08

ثمة ما هو أكثر ينتظره القراء

 

الفرق الرياضية لا تخسر جمهورها بسهولة حتى وإن انهزمت، لكن الصحف الرياضية تخسر يوما بعد آخر قراءها، ولم يعد بمقدورها المراهنة حتى على قرائها الأوفياء.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

أزمة الصناعة الإخبارية في الصحافة ليست مقتصرة على القصة السياسية بشكل خاص، فإذا كان المواطن الصحافي قد استولى على الحدث من الصحافي ونشره من دون تجميل في مدونته الشخصية، فإن الخبر الرياضي فقد تأثيره بعد أن بات يصل متأخرا، فيما الجمهور تابع المباريات مباشرة على أجهزته اللوحية وهاتفه الذكي.

ببساطة يدرك الصحافي اليوم أن عصر الإنترنت لم يكن لطيفا مع الصحف، فإذا جاء الخبر متأخرا مكتفيا بسرد وقائع المباريات فإنه سيسقط في سلة تجمع الفائض عن الحاجة الإخبارية.

الجمهور لم يعد بحاجة إلى مثل هذا الخبر بعد أن تابع التنافس الرياضي مباشرة سواء كان في منزله أو في الطريق أو الحافلة أو المقهى، جهازه المحمول كفيل بنقل الوقائع لحظة وقوعها، وفيما هو يناقش تداعيات الحدث على مدونته الشخصية تكون الصحيفة مشغولة في إعداد الخبر وتداعياته.

ليس من السهولة دفع المشجعين الرياضيين للتخلي عن مناصرة فرقهم المفضلة، إنهم مستعدون للجدل ساعات طويلة من أجل إثبات عشقهم لفرقهم ومساندتها حتى وإن كانت مغلوبة، لكن لا أحد يضمن أن مثل هذا الإخلاص يبقى قائما عند المشجعين بوصفهم قراء أوفياء لصحف تتابع أخبار فرقهم.

مثل هذا القارئ-المشجع ليس لديه وقت يقضيه في قراءة قصة إخبارية في الصحيفة، كان شاهدا عليها وهو يتابع المباراة! الفرق الرياضية لا تخسر جمهورها بسهولة حتى وإن انهزمت، لكن الصحف الرياضية تخسر يوما بعد آخر قراءها، ولم يعد بمقدورها المراهنة حتى على قرائها الأوفياء.

كان الجمهور يترقب بلهفة وينتظر أربعا وعشرين ساعة من أجل التعرف على نتيجة مباراة لم يكن تلفزيون بلاده يمتلك الإمكانية لنقل وقائعها مباشرة، واليوم هناك الآلاف من المراسلين المتبرعين من بين فئات المواطن الصحافي ينقلون وقائع بأجهزتهم المحمولة من داخل الملاعب الرياضية ليطلع عليها الملايين.

فهل بقي أي دور للصحافي الرياضي الذي تخصص له الملاعب أماكن وخدمات خاصة كي يدون ملاحظاته على المباريات، ويعيد للقراء طبخ طعام فقد نكهته!

يبدو لي أن المهمة أكبر من مجرد إنهاء دور الصحافي الرياضي، هو سيبقى ما دامت الأنشطة والبطولات الرياضية متواصلة، لكنه أمام مهمة إعادة ابتكار مهنته، فدوره القديم لم يعد ذا أهمية اليوم، والأخبار الرياضية بوصفها جزءا من الصناعة الإخبارية بحاجة إلى تطوير محتواها وليس دق المسمار الأخير في نعشها.

التدفق الحر للصحافة على الإنترنت ليس مجرد قيام المواطن الصحافي بنشر قصصه الشخصية وفق فكرة رئيسة تحرير الغارديان كاثرين فاينر، بل هو بصدد إعادة رسم تصور دور الصحافي في المجتمع وعلاقته الأساسية مع الجمهور، ومعرفة كيف يفكر القراء.

لا أحد يستطيع أن يضمن أن الأخبار محمية من صدمة تكنولوجيا المستقبل، وهذا ما عبر عنه مايك دارسي الرئيس التنفيذي لمجموعة تضم مؤسسات إعلامية في بريطانيا والولايات المتحدة، عندما عرض رؤيته بالقول "إن ثمة جهدا ضائعا بذله العديد من مخططي وسائل الإعلام حول الإجابة عن أسئلة ضيقة تؤدي إلى كيفية معرفة تسييل المحتوى الرقمي، الأمر الذي أفقدهم المسار حول تأمين مستقبل مستدام على نطاق واسع".

إن أسئلة مثل هل تكمن المشكلة في صناعة الأخبار بشكل عام بما فيها الرياضية، أم في طريقة تقديمها أم في وسائل استقبالها، لا تحمل أيا من الإجابات الواضحة ولا حتى عند مخططي مستقبل الصحافة، لأن هناك مشكلة قائمة سببها الإنترنت أمام الواقع الورقي للصحف.

يمكن تأمل الأمر ببساطة إن المنافسات الرياضية مستمرة ومتصاعدة وبإغراء وإثارة، لكن الصحافة المكتوبة تتراجع أمام حيوية مثل هذه المنافسات ولا تقدم ما يجعل القراء ينشدون إليها.

فلم تعد مهمة الصحافي الرياضي مجرد متابعة المنافسات والاكتفاء بما يقوله عنها، ثمة ما هو أكثر ينتظره القراء.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الإنسان صار بجودة أقل
2017-11-21
الصراخ التلفزيوني تعبير عن عصر العبث الإعلامي
2017-11-19
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي
2017-11-05
نايبول ونكهة طعام نظيرة
2017-10-31
الحكومات تريد أن تبقي الصحف على قيد الحياة
2017-10-29
الرجل كسول، ماذا عن المرأة؟
2017-10-24
الصحافة جبانة قبل أن تكون شجاعة
2017-10-22
المزيد

 
>>