First Published: 2016-02-09

عن سعد الحريري عشية 14 آذار آخر!

 

عودة سعد الحريري باتت مطلبا لبنانيا شاملاً بوصفه بنّاءً يحمل مطرقة واسمنتاً في موسم الخراب الكبير.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

يطلّ سعد الحريري بعد أيام ليضعَ نقاطاً كثيرة على الحروف المتدافعة. لم تكن تلك الحروف لتتراكض لاهثة لولا عبث الحريري ببحيرة الإنتخابات الرئاسية الراكدة، واطلاقه بشكل غير رسمي الحملة الانتخابية لإختيار نزيل جديد لقصر بعبدا. "إرتكب" الرجل إثم تشغيل محركات القصر الرئاسي التي شُلّت بعد أن غادره الرئيس ميشال سليمان (أيار 2014)، فكتبت جريدة "الأخبار" القريبة من حزب الله أنه الـ "الفراغ".

منذ أن أُغلق باب القصر وأُطفئت أنواره، بدا أن العودة إليه باتت مستحيلة. راح البعض المتشائم يهمس أن الرئيس المنتهية ولايته هو آخر رئيس مسيحي للبنان، وراح من هم أكثر تشاؤماً ينفثون عبقاً يفيد أن لا رئيس للبنان بعد اليوم، ذلك أن وجود البلد نفسه باتت تحدده مآلات الحرب في سوريا ويمليه تموضع إيران ما بعد الاتفاق النووي وترسمه شروط عصر داعش وأخواته.

بدا أن غياب الرئيس أضحى هاجساً مسيحياً فقط، ذلك أن المسيحيين يفقدون الموقع الوحيد لهم على رأس دولة في هذا الشرق. أفصحت عظات البطريركية كما مداولات المسيحيين الكبار داخل جدرانها عن ورشة تقتصر على المسيحيين وتهم المسيحيين وحدهم لإنقاذ الموقع المسيحي الأول في البلد. وحده سعد الحريري أعاد تصويب البوصلة. انخرط الرجل في توليف معادلات كيميائية تذكّر أن اللبنانيين، بكافة طوائفهم ومشاربهم وأطيافهم، معنيون في استيلاد ما يقي بقاءهم ويحافظ على ديمومة حضورهم، من خلال استرجاع ورشة انتخاب رئيس جديد للبنان.

أن يدعم سعد الحريري ترشيح سليمان فرنجية فذلك قلب لقواعد اللعبة، على ما يوحي أن جسامة المعضلة تستدعي الخروج عن القواعد. في ذلك التمرين فاجأ الحريري الحلفاء قبل الخصوم، وأربك السكينة داخل بيته السياسي. كان واضحاً أن الزعامة تتطلب مقاربة لا تليق إلا بالزعماء في جسارتها وسرياليتها، لكن الرجل قدم سابقة كشفت هشاشة الخصومة وزيفها في مشهد "العرس" الذي جمع "الحكيم" بـ "الجنرال". بمعنى آخر يسجّل للحريري أنه في دفعه للمصالحة العونية القواتية، التي كادت تكون معجزة، سلّط المجهر على امكانات فتح شرايين تمّ التسليم بانسدادها سابقا.

لا بد أن الحريري يبتسم وهو يتأمل بحبور ما فعلته مبادرته، وهي حتى الآن غير رسمية وغير معلنة، بالمشهد السياسي في لبنان. بات البلد يثرثر كثيراً على أبواب "بعبدا"، وبات بالإمكان تخيّل ورشة ناشطة لإزالة الغبار وإعداد الأثاث داخل أروقة القصر الرئاسي، بعد أن كاد يتحوّل إلى أطلال قديمة تكاد تختفي وراء أدغال عنكبوتية تنفخها رياح العدم في المنطقة.

ولا بد أن الحريري، وربما من حيث لا يدري، أزال حواجز نفسية وموضوعية، بحيث بات احتمال فرنجية طبيعيا يدافع عنه المستقبليون، فيما القواتيون منهمكون في التسويق لخصمهم ميشال عون رئيساً "مثالياً" في بعبدا. ولا شك أن الحريري في قرارة نفسه بدأ يدرك أن الاصطفاف اللبناني الذي طبع البلد منذ عام 2005 وقسّمه إلى معسكرين، لم يعد تركيبة منطقية في زمن التحوّلات الكبرى.

لنعترف أن عبقرية ما أنتجت تعويذة فككت عقداً عفنة. بات النقاش يدور حول هوية الرئيس بين مرشحين: ميشال عون من فريق الثامن من آذار مقابل سليمان فرنجية من فريق الثامن من آذار. في همّة سعد الحريري توق لإنتاج تركيبة لبنانية بأضلاع ثلاث توكل الرئاسة إلى المعسكر الذي يقوده حزب الله (علماً أن ضلع رئاسة البرلمان في يد نفس المعسكر). بيد أن في المناورة ما يورّط الحزب بـ "تهمة" إعادة الإعتبار للدولة، وهو الذي أثبت بجدارة مقته لها وريبة من احتمالاتها.

سيقول سعد الحريري في 14 آذار ما سيفاجئ المنتظرين تحت نوافذ المعركة السورية. ربما يملك الرجل معطيات عما يدور وراء جدران الغرف المغلقة في عواصم القرار، لكن الأرجح أنه يتبع قناعات ورثها من والدٍ راحل. يكرر الابن ما يقوله الأب: "ما بصح إلا الصحيح". والصحيح أن لبنان بلد اسثنائي في تاريخه وجغرافيته وفسيفساء مجتمعه، بحيث لا مجال لتجاوز قاعدة الوسطية والتعايش وديدن التسويات. لا بد أن ابن "الرئيس الشهيد" يدرك في ذكرى الإغتيال الأليم أن الدائرة تدور على القتلة حتى لو أعتقدوا في موسم المعركة السورية الراهنة بغير ذلك. ولا بد أن انجلاء غبار تلك المعركة سيكشف وهن حسابات وركاكة طموحات، ذلك أن "تواطؤ" الكبار يسخر من ألعاب الصغار.

يؤمن سعد الحريري أن لبنان كبير، ويؤمن بما كان رفيق الحريري يردد: "ما في حدا أكبر من بلده". لكنه يؤمن أيضاً ان من يريد لبلده أن يكون كبيراً عليه أن يكون كبيراً. يطلُّ الرئيس الشاب على لبنان كما يطل الشيوخ الحكماء، لا تربكه الأهوال التي تنذر بها الكارثة السورية ولا يتعثر بـ "حرتقات" حرد الحلفاء وخبث الخصوم. لا بد أنه يشعر بصخب الجراحات العظمى في المنطقة ويدرك أن مناورات استثنائية تنتظر القبطان كي تعبر السفينة داخل تلك الأنواء. ورغم أن المرحلة تستدعي تجنب فتح المعارك وامتهان الإثارة، إلا أن الرجل سيثير حنق خصومه بترداده الذي لا يكلّ: الدولة الدولة ثم الدولة.

سيعيد سعد الحريري ترميم ثوابته المتناسلة من ثوابت والده وهو مدرك أن المعركة الروسية في سوريا لن تحمل بالضرورة الريح إلى أشرعة إيران وأذرعتها في لبنان. يراقب الرجل بهدوء الاستعدادات الجارية لتدخل بري إقليمي، على ما استشرف وزير الخارجية الأميركي قبل ستة أشهر وعلى ما باركه سيّد البيت الأبيض، هذه الأيام، بعد أسابيع على توقيع الصفقة مع إيران.

سيفهم الرجل من تصريحات وزير خارجية البحرين في موسكو أن الورشة البرية الموعودة، في أبعادها الخليحية التركية الأردنية الإسلامية تترجل متكاملة لا متصادمة مع الورشة الروسية (الدولية) الكبرى.

ستدرك فراسة الرجل أن الأسابيع المقبلة ترسم بوضوح ملامح التسوية الكبرى، بما تفترضه من حلول وما تستبطنه من مخاطر. وفي منتصف تقاطعات الساعة ينفخ سعد الحريري إلياذته ويبسط تعويذته لحماية لبنان.

من حقّ سعد الحريري أن يذكّر اللبنانيين أنه بنّاءٌ يحمل مطرقة واسمنتاً في موسم الخراب الكبير. يحاور تياره حزب الله رغم أن محكمة دولية تحاكم عناصره الذين قتلوا والده، ورغم أن الحزب، في عزّ هذا الحوار، ينفث حقداً ويُظهر شماتة في أنه صاحب همّة في نفيّ الرجل وصاحب فيتو في عودته. ومن حقّ سعد الحريري أن يذكّر خصومه أنه ذهب إلى دمشق ليقابل بشار الأسد متجاوزاً حنق أنصاره في "سبيل مصلحة البلد"، بما يحيل مناورته بترئيس سليمان فرنجية تفصيلاً لا يقارن. ومن حقّ سعد الحريري ألا يخجل بأنه صاحب مقاربة تعيد لبننة الرئاسة، ليس فقط من خلال تخليصها من مزاج العواصم، بل من خلال إعادة الاعتبار إليها بصفتها دينامية عابرة للطوائف لا يمكن للمسيحيين فرضها، كما يُثبت العرس في معراب، ولا يمكن للطوائف الأخرى فرضها أيضاً في موسم الخلاف السني الشيعي في المنطقة.

باتت عودة سعد الحريري مطلبا لبنانيا شاملاً. ولئن يعبّر الأنصار عن قلق من طول ذلك الغياب وما يفاقمه من فراغ، فإن "استرجاعه" إلى داخل الوطن أضحى ملتصقاً بشروط التسوية الكبرى. باتت عودة الرجل واردة في أي لحظة منذ أن أصبح انتخاب رئيس للجمهورية وارداً في أية لحظة. يبقى أن توقيت ذلك يخضع أيضاً لمداولات الرئاسة في بعدها التقني والسياسي كما في توقيتها الجيواستراتييجي. قد لا يمتلك سعد الحريري كل المعطيات التي تحدد ساعة العودة، لكن حدس الزعيم وحده يقرع أجراس سقوط المنافي.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: سقوط التماهي بين الدولة والدويلة
2017-11-19
عون لحزب الله: حرب قادمة 'ستدمرنا'!
2017-11-17
لماذا 'هدوء' نصرالله؟
2017-11-10
السعودية: الجراحات الصادمة!
2017-11-06
السعودية: الخروج من 'الاستثناء'!
2017-11-03
عن تفجير مقر المارينز في لبنان وظهور السبهان في الرقة
2017-10-27
خطايا مسعود وكارليس التي قد لا تغتفر
2017-10-20
ترامب وإيران: إطلالة واشنطن الجديدة على العالم
2017-10-16
لماذا ترتعد طهران من المسّ بالحرس الثوري؟
2017-10-13
أي رياح تنفخها الرياض صوب بيروت؟
2017-10-09
المزيد

 
>>