First Published: 2016-02-14

محنة المعلومات والخوف المقبل من إنترنت الأشياء

 

الشركات الكبرى والبنوك والحكومات مهووسة بالمعلومات، إنها تجارة تدر مالا هائلا وتجعل عيون الحكومات مفتوحة علينا، فيما نحن ندفع مالا مع التخلي عن معلوماتنا الشخصية من دون تفكير.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

نحن نعيش محنة تدفق البيانات على الإنترنت والكم الهائل من المعلومات الذي يفوق قدرة البشر الطبيعية، فيما ينتظرنا تحد مثير ومخيف في آن يسمى إنترنت الأشياء، عندما تتحاور الأجهزة في ما بينها متجاوزة البشر!

ستكون ربة البيت مجرد مراقبة عندما ترسل ثلاجة المطبخ الذكية رسالة مباشرة إلى أقرب متجر تطلب فيها المواد، ستتحاور أجهزة المطبخ مع المتجر بذكاء تكنولوجي، وقتها لا يعد ثمة داع لمداولات الناس.

يتساءل البعض ما الذي يمنع أن تكون حينها ثلاجة المنزل جاسوسا معلوماتيا برغبة أهل المنزل، أو بحكم خضوعهم التكنولوجي ومسايرة تطور الحياة.

المعلومات محنة أيضا، نحن نتخلى عن معلوماتنا الشخصية بخضوع تام وقبول لا مفر منه، لماذا؟ لأن الشركات الكبرى والبنوك والحكومات مهووسة بالمعلومات، إنها تجارة متواصلة تدر مالا هائلا وتجعل عيون الحكومات مفتوحة علينا، فيما نحن ندفع مالا مع التخلي عن معلوماتنا الشخصية من دون تفكير.

كان عليّ أن أقبل سلسلة طويلة من الأسئلة هي في حقيقة الأمر شروط كي تفتح لي الرسالة التي تلقيتها من القائمين على المؤسسة الطبية بعد أن طلبت موعدا منهم، كانت الأسئلة طبية وشخصية، فهم لم يكتفوا بمعرفة عنواني وعمري وتاريخ ولادتي ومنذ متى أقيم بمنزلي.

تخليت أيضا مرغما عن معلومات كوني أدخن وأشرب الكحول أم لا، بالطبع كان عليّ أن أضع أرقاما لوزني وطولي وعما إذا سبق أن أجريت عملية جراحية وفي أي عضو من جسدي.

إنهم ببساطة رسموا خارطة معلوماتية كاملة عني بما فيها رغباتي وميولي وتاريخ أسرتي، ووضعوا شروطهم التي عليّ أن أقبل بها تحت بند خصوصية المعلومات، وهي عادة نصوص قانونية لا يمكن اختراق لغتها.

حدث مرة أن شركة فيسبوك تلاعبت بمواد إخبارية ومعلومات لمئات الآلاف من المستخدمين بغية إجراء تجربة نفسية، احتج بعدها المستخدمون مدعين تعرضهم للخداع، لكن الشركة ردت سريعا بأن موافقتهم كانت قد صدرت بالفعل.

وقبلها وضع أحد الباحثين برنامجا يتابع اتصالات المغردين على تويتر للاستدلال على عرق المستخدم وحتى ديانته، مما يثير تساؤلات عن خرق الخصوصية.

أين ستذهب مثل هذه المعلومات بما فيها معلومات المستخدمين الشخصية؟ مثل هذا السؤال أطلق على إريك شميدت مدير شركة غوغل في قمة الإعلام بدورتها الأولى في أبوظبي، فرد على السائل عما إذا كان يمزح! ماذا تعني أين تذهب هي ببساطة ستذهب إلى خوادم “سيرفرات” غوغل.

شميدت اعترف بأن الكم الهائل من المعلومات يفوق طاقة البشر، من دون أن يعبر عن خوفه من هذا الكم من المعلومات.

غوغل لا يخاف من المعلومات هذا واقع تكنولوجي، مثل ثلاجة المنزل الذكية مستقبلا لا تبالي وهي تكشف عن أسرار البيت للسوبر ماركت مباشرة، ستنتهي عندها مفاهيم الخجل والمواراة والمباهاة والبخل والتبذير عندما تتراسل الأجهزة الذكية في ما بينها، فيما هي في حقيقة الأمر مراقب على طبيعة حياة الإنسان وسلوكه، حيث عد خبراء التكنولوجيا قدرة الروبوتات على جمع البيانات من المنازل باعتبارها أكبر قضية أخلاقية منفردة في هذا المجال.

وهذا ما أكده أيضا تقرير صادر عن “أوفكوم” الجهة المنظمة لوسائل الإعلام في بريطانيا نقله تقرير لصحيفة فاينانشيال تايمز “حيث يمضي المواطن البريطاني أكثر من 20 ساعة أسبوعيا في العمل عبر الإنترنت”.

ببساطة يمكن الكشف عن سلوكياتنا وعاداتنا ورغباتنا وطموحاتنا من خلال استخدامنا للأجهزة والضرب على لوحة المفاتيح.

وهذا عمل، بحسب وصف آنجانا آهوجا في تقرير الصحيفة نفسها، جعل تحليل السلوك عبر الإنترنت نوعا من التدافع المحموم الجديد لما يشبه حمى الذهب.

الآن البيانات الشخصية تعتبر مثل غبار الذهب، ونحن نستسلم لها في كل مرة نوافق فيها على شروط وأحكام موقع إلكتروني على الإنترنت.

فقد عرض مشاركون في مؤتمر عقد مؤخرا بأحدى ضواحي العاصمة البريطانية لندن التحديات المتعلقة بالبيانات التي تنتجها أجهزتنا وإمكانية أن يجري تنظيم هذا التدفق.

ووجدوا أن الأخلاقيات والسيطرة المحيطة بالاستخدام المتزايد للبيانات تعتبر فوضى حقيقية في عالم المُلكية. وعدوا النقاش العام حول كيف ينبغي جمع وتخزين تلك الكميات الضخمة من المعلومات ومن ثم مراجعتها واستغلالها، أمرا ملحا.

المستخدم في الواقع التكنولوجي القائم أشبه بسلعة مطاطية بيد الشركات الكبرى، ونادرا ما يكون هناك تدقيق مستقل لماهية العلاقة العادلة والمعقولة بين شركة الإنترنت والمستهلكين. فمعلوماتنا الشخصية ربما تقع بيد من يستخدمها أداة تهديد فعلية، وقتها تنتهي الشكوك بأن العقد المبرم مع شركات الإنترنت لم يكن عادلا، إن لم يكن خدعة قانونية.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
القلب صديق المشائين
2017-02-14
المزيد

 
>>