First Published: 2016-02-15

سنة العراق وشيعته

 

المظلومية خيانة مبيتة لعبت بعقول البسطاء من الناس ممن سحرتهم الفكرة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

أخطأ سنة العراق حين صدقوا أنهم خسروا السلطة عام 2003. اما شيعة العراق فإنهم أخطأوا أيضا حين صدقوا أن السلطة ستؤول إليهم.

في حقيقة الامر فإن العراقيين كلهم قد خسروا يومها السلطة التي لم تكن حكرا على السنة يوما ما، وإن كانت زعامة الدولة العراقية ومنذ تأسيسها قد أنيطت بسياسيين منهم.

فالمحتل سلم السلطة إلى المتعاونين معه من سياسيي المعارضة السابقة الذين تعهدوا له أن لا يكتفوا بتحطيم الدولة العراقية بل ويؤدوا واجبهم في تمزيق النسيج الاجتماعي في العراق، فكانت أكذوبة استبدال طائفة حاكمة بطائفة حاكمة جديدة هي المعول الاول في حقبة، سيكون القتل على اساس الهوية الطائفية أبرز ملامحها.

كانت خيانة مبيتة لعبت بعقول البسطاء من الناس ممن سحرتهم فكرة المظلومية. وهي فكرة تتناقض كليا مع ما عاشه العراقيون من وقائع حياة قبل أن تحل كارثة الاحتلال وتعصف بكيانهم.

فالدولة العراقية لم تقم على أساس طائفي. لذلك لم يشهد العراق أي نوع من الاقصاء أو التهميش أو العزل على أساس مذهب المرء أو الطائفة التي ينتمي إليها. كان التراضي في غياب قوانين المواطنة الحقة هو المبدأ الذي يستند إليه العقد الاجتماعي.

ولأن الدولة في العراق لم تكن متدينة ولم تكن في الوقت نفسه ملحدة فلا يمكن الحديث عن تسيد طائفة على آخرى أو فريق على آخر. وهو ما يشهد عليه تساوي العراقيين في فرصهم في التعليم والتوظيف والرعاية الصحية وممارسة الاعمال والخدمات العامة واختيار موقع السكن واداء الطقوس الدينية المعتدلة، من غير أن يكون لعرق المرء أو ديانته أي أثر يذكر.

وإذا ما كان النظام الذي قاده حزب البعث في الثلاث عقود الأخيرة من عمر الدولة العراقية قد أحدث خللا في تلك المعادلة الحساسة فذلك مرده إلى أن ذلك النظام العقائدي قد قدم الولاء للحزب على مبدأ المواطنة المستقلة بغاياتها والحرة في سلوكها.

لم يكن النظام يومها ليغفر لأحد معارضته بسبب سنيته.

في المقابل لم يكن الشيعة موقع شك وريبة وإلا ما كان الجزء الاعظم منهم قد ارتقى وظيفيا ليصل إلى أماكن حساسة في الدولة.

من له معرفة عميقة بآليات علاقة النظام السياسي بالشعب في العراق لابد أن يكون مدركا للزيف الذي تنطوي عليه المقولات المطلقة التي سعت سلطة الاحتلال الاميركي ومن بعدها الاحزاب الدينية الحاكمة إلى الترويج لها وتسويقها بإعتبارها حقائق عيش.

لم يكن العراقي "السني" في منجى من العقاب إن ارتكب معصية في حق النظام ولم يكن العراقي "الشيعي" منبوذا ومزدرى ومهمشا بسبب شيعيته. بالنسبة لنظام البعث الذي كان يتشكل من أغلبية شيعية، حسب التصنيف الحالي لم يكن العراقيون موزعين بين طائفتين "سنية وشيعية"، بل كانوا يتوزعون بين طائفتين "موالية ومعادية". ولم تكن الحرب التي شنها النظام على حزب الدعوة الذي يحكم العراق اليوم بسبب شيعية أعضاء ذلك الحزب بل بسبب تبعيتهم إلى ايران.

فهل غض النظام الطرف عن جماعة الاخوان المسلمين بسبب سنية أعضائه؟

لو أنه فعل ذلك لكان من الممكن الحديث عن طائفية سياسية. غير أن النظام وهو الذي لم يتبجح بالعلمانية كان قد حمى العراقيين لعقود من السقوط في مستنقع الطائفية السياسية حين أبعد رجال الدين من التعامل مع الشأن السياسي.

ما يعيشه العراق اليوم من مآس يؤكد صواب المنهج الذي أتبعه نظام البعث الذي حكم العراق خمسا وثلاثين سنة من غير أن ينبس العراقيون بكلمة واحدة تكشف عن طائفيتهم.

كانت هناك دعابات تكشف عن استخفافهم بالملل والنحل التي صدرها العراق إلى العالم الاسلامي. وما يؤكد ذلك أن العراقيين قد قاتلوا الايرانيين بإعتبارهم فرسا ولم يخطر في بال أحد منهم أن يكون خادما لفارس بذريعة شيعيته.

ما يحدث اليوم هو استثناء في التاريخ العراقي الحديث.

غير أن ما يبقي شرارة الامل مستعرة في الصدور أن دولة الطوائف لم يبنها العراقيون بأنفسهم بل فرضت عليهم. لذلك فإنها ستزول ما أن تعلن افلاس مشروعها في القريب العاجل.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
متشددون في ضيافة الغرب
2017-03-28
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
المزيد

 
>>