First Published: 2016-02-17

حين تبكي حكومة الـ'تكنوقراط' وتضحك

 

من أين نأتي بتكنوقراط لإدارة حكومة التكنوقراط في عراق الطائفية الجاهلية؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لن يعترف أحد من سياسيي العراق بأن تشكيل حكومة انقاذ مستقلة تتألف من الـ"تكنوقراط" هي مهمة مستحيلة. بالرغم من أنهم يعرفون جيدا أن ما من أحد منهم يملك القدرة على الانحراف بالعراق عن طريق الانهيار.

ربما يكون حيدر العبادي وهو رئيس الوزراء الحالي وهو داعية تشكيل تلك الحكومة هو الاكثر من بين أولئك السياسيين انغماسا في الكذبة. فالرجل بالرغم من تخصصه العلمي فإنه يقدم الولاء الطائفي على الولاء العلمي. فكيف يمكنه أن يقود فريقا من المختصين وهو الذي اضاع الثقة باختصاصه؟

ثم مَن أين يتم استيراد أولئك التكنوقراط وبأية مواصفات، بعد أن قضى العراق أكثر من عشر سنوات وهو يرزح تحت حكم مجموعة من الحزبيين، يتبادل أفرادها المناصب العليا في ما بينهم، في الوقت الذين يتركون أقرباءهم ينهشون في جسد الدولة، ناهبين ثروات البلد من خلال وظائفهم الوهمية؟

هل أبقى الحزبيون الطائفيون في العراق شيئا يمت إلى التنكوقراط بصلة؟

أما العثور على تكنوقراط حسب الوصفة الطائفية (الجاهلية) فهو أمر يسير تلفيقه.

فهواة السياسة الذين حكموا العراق وأودوا بشعبه إلى الهلاك فقرا وتشردا ويأسا وجنونا بفسادهم لا يمكن توقع انسحابهم طوعا، مادامت يد العدالة التي قيدوها بأمزجتهم الطائفية غافلة عنهم. لذلك أتوقع أنهم سيلجاون إلى تنصيب أشخاص من مريديهم واجهات لإدارة مصالحهم.

سيكون هناك حكومة تكنوقراط، لكن بالصيغة التي تؤجل نشوب الحرب بين بيتي الحكيم والصدر. وهو ما يعني بقاء رموز الفساد في ظل استمرار نظام المحاصصة الرث الذي لن يرى العراقيون بديلا عنه إلا إذا وقع حدث جلل شبيه بالغزو الاميركي الذي وقع عام 2003.

لا أعتقد أن مراقبا مطلعا على أوضاع العراق السياسية في إمكانه أن يراهن على وقوع حدث من ذلك النوع. فالخطأ الذي أرتكبه العراقيون (العرب منهم بالاخص) حين وافقوا على تقديم هوياتهم الثانوية (الطائفية) على هويتهم الرئيسة الجامعة (الوطنية) في النص الدستوري كان قاتلا.

وهو ما يعني أن العراق لن يشهد تحولا كبيرا في المزاج الشعبي العام، يمكن أن يؤدي إلى قلب الطاولة وابتكار معادلة سياسية جديدة تقوم على اساس اقامة نظام وطني، يستعيد من خلاله الشعب العراقي وحدة مجتمعه.

ليس امام العراقيين والحالة هذه سوى القبول بما سيطرحه الطائفيون من حلول، ستتسم بطابع الترقيع والمناورة والاحتيال، وهو ما سيمد في زمن الازمة الاقتصادية بالطريقة التي ستتيح لسياسيي الطوائف البحث عن مخارج لمغادرة المركب الذي صاروا على يقين من غرقه.

وهكذا فإن كل حديث عن تغيير حكومي إنما يُراد منه الحصول على وقت اضافي، يتبادل أثناءه سياسيو الطوائف خبراتهم في اللعب بعواطف ومخاوف الناس الطائفية في محاولة منهم لتأجيل مواجهة الاستحقاق التاريخي الذي نتج عن فسادهم الذي حولوه إلى مشروع عيش يومي من خلال تطبيعه.

فإذا افترضنا جدلا أن العبادي سيتمكن من اختراع حكومة "تكنوقراط" مستقلة ونزيهة فإن تلك الحكومة ستكون عاجزة عن القيام بواجباتها وخدمة المواطنين في ظل خواء الخزانة العراقية من الاموال.

لن يتمكن وزير الصحة مثلا من اعادة امتيازات الضمان الصحي التي كان العراقيون يتمتعون بها في مرحلة ما قبل الاحتلال. كذلك فإن وزير النفط لن يتمكن من استعادة حصة العراق من نفطه كاملة من الشركات العالمية بعد أن ألغيت قوانين التأميم. اما وزير الدفاع فإنه لن يتمكن من فرض التجنيد الالزامي بعد أن توزع الشباب بين الميليشيات (المقدسة).

سيكون هناك وزراء "تكنوقراط" عاطلون عن العمل. وقد يتحولون في وقت قياسي إلى موضوع للتندر والفكاهة السوداء. وليس غريبا على العراقيين أن يتمكنوا من مزج البكاء بالضحك، مستذكرين مقولة شاعرهم "ولكنه ضحك كالبكا".

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
مَن يحاكم المالكي؟
2017-07-23
كراهية العرب ثقافة فارسية
2017-07-22
تركيا اردوغان لا تزال بالبكيني
2017-07-20
مجاهد أم إرهابي؟
2017-07-19
في لغز الاخوان ومَن ناصرهم
2017-07-18
قطر في حلها وترحالها
2017-07-17
ملايين نازحة وأخرى صامتة والجريمة مستمرة
2017-07-16
عرس عراقي في جنازة الموصل
2017-07-15
كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال
2017-07-13
المغامرة القطرية وقد انتهت إلى العزلة
2017-07-12
المزيد

 
>>