First Published: 2016-02-17

الجنادرية.. عن ندوة تأصيل المفاهيم

 

إنكار وجود قيم وحضارات وعلوم، يونانية أو هندية أو فارسية أو عربية جاهلية، لا يزيد الإسلام مجداً، بقدر ما نراه خطاباً إقصائياً ودعائياً لا يمت للواقع بصلة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

أُقيمت في موسم الجنادرية الثَّلاثين ندوة تحت عنوان «القيم وتأصيل المفاهيم»، وكنا ننتظر من المتحدثين معالجة موضوع العنوان من ناحية فكرية، باستثناء المتحدث مسفر بن علي القحطاني، الذي لمسنا في مداخلته مادة فكرية كانت في صميم موضوع النَّدوة.

أما المتحدثون الآخرون، وأخص منهم الباحث السوداني مهدي رزق الله، والشيخ المصري أُسامة الأزهري، فقد قدما مطالعتين فهمنا منهما أن الإسلام يكاد يكون بداية الخليقة، أهملا كلَّ ما قبله من علوم وأخلاق وقيم اجتماعية وآداب، ويمكن تفسير ذلك باجتثاث متعمد للعقل البشري وتطوره عبر الحِقب التاريخية حتى ظهر الإسلام وانتشر ديناً وحضارة، ولا أعتقد أنهما نفعا برأيهما الإسلام بشيء، وقد أغفلا الحديث النبوي المشهور: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، و«خيارُكم في الجاهليةِ خيارُكم في الإسلامِ». فكيف تُتمم القيم والأخلاق إذا لم تكن موجودة من قَبل، وكيف يُذكر خيار الجاهلية إذا لم يكونوا موجودين؟!

لقد تحولت النَّدوة الفكرية إلى ندوة دينية بحتة، على لسان الشيخين السوداني والمصري، وتشتت الجمهور المُنتظر فائدة من هذا العنوان الفكري والفلسفي، وكأنهما لم يطلعا على معلقة الشَّاعر الجاهلي زهير بن أبي سُلمى (ت609م) التي قالها في تعظيم السَّلام والأخلاق والقيم، ومنها للتذكير فقط: «تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعْدَمَا/ تَفَانَوْا وَدَقُّوا بَيْنَهُمْ عِطْرَ مَنْشَمِ/ وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعاً/ بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ منَ القَوْلِ نَسْلَمِ/ فَلاَ تَكْتُمُنَّ اللهَ مَا فِي نُفُوسِكُمْ لِيَخْفَى وَمَهْمَا يُكْتَمِ اللهُ يَعْلَمِ/ يُؤَخَّرْ فَيُوضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدَّخَرْ/ لِيَوْمِ الحِسَابِ أَوْ يُعَجَّلْ فَيُنْقَمِ/ وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ/ وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ» (المعلقات السبع)، فالذين سموا بالجاهليين كانوا يعرفون قيمة السِّلم للإنسانية ويرجون حساب الآخرة.

ولم يطلعا على ما نُسب من شعر لقيس بن الخطيم (ت نحو 620م) بما فيه من نزعة حرية الرأي: «نَحنُ بِما عِندِنا وَأَنتَ بِما/ عِندَكَ راضٍ وَالرَأيُ مُختَلِفُ» (تفسير الطَّبري). ولو أطلعا على ما جمعه الأب شيخو (ت1927) في سِفره «شعراء النَّصرانية قبل الإسلام» لوجدا الكثير من مفاهيم القيم المؤصلة آنذاك، ناهيك عن تراث الأُمم الآخر، كالعراقيين واليونان والهنود القدماء، إلا أنهما ركزا على الجانب الإسلامي، وهذا غير معيب لولا أنهما أكدا عدم سِبق الإسلام بالقيم والمفاهيم الاجتماعية، وكأن البشرية تبدأ بالإسلام، فيكون تاريخها 1437 لا أكثر، وبهذا ألغيا ما جاء في الحديثين السَّالفين.

الأكثر من هذا أن الأزهري تحدث عن تاريخ الطب، كجزء من القيم، منوهاً بأن أول مستشفى على مستوى العالم تأسس في الإسلام، وهنا سيرد عليه الطب لدى الفراعنة وسومر وبابل، وما تفصح عنه بقايا الحضارات، وسيرد عليه الطبيب اليوناني أبقراط (القرن 5ق.م)، الذي قسمه الطَّبي يقسم به أطباء الشرق والغرب عند التخرج، وما بينه وبين الإسلام مئات السنين.

كذلك أن مهنة الطب اختصرت في الغالب على المسيحيين واليهود والصَّابئة، وقد ورثها أصحابها أباً عن جد. أقول: لو اطلع الشيخ الأزهري على كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت 668هـ) لاعتبر ما أشار إليه مجرد كلام، لا يستند لمعلومة، مع أن المبشرين الأوائل بالمسيحية في القرن الميلادي الأول اتخذوا الطب وسيلة للتقرب من مجالس الأمراء.

ألم يؤلف أرسطو كتاب «الأخلاق»، وأخذ عنه متكلمو وفلاسفة الإسلام بعضاً من مفاهيم وحكم. أظن أن كتب الأدب العامة كـ«عيون الأخبار» لابن قتيبة (278هـ)، و«الحيوان» للجاحظ (ت 255هـ) يكفي ما ورد فيها من تُراث الحكمة ما قبل الإسلام شاهداً متوافقاً مع ما ورد في الحديث النَّبوي «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

لا عيب أن يتباهى المسلم بتراثه، لكن من غير الحق أن ينكر على البشرية العلوم والفلسفات قبل الإسلام، ومن حق السامع الواعي التشكيك بمثل هذا الطرح، باعتباره اجتثاثاً لتاريخ الفكر البشري، فقراءة سريعة لكتاب أبي نصر الفارابي (ت 339هـ) «آراء أهل المدينة الفاضلة» تدلنا على كتاب أفلاطون (347ق.م) «الجمهورية»، وما ورد في رسائل إخوان الصفا (ق 4هـ) مستفيداً من علماء الإغريق وأطبائهم، ولم ينكر أصحابها ما غرفوا من كتب الأولين.

إن إنكار وجود قيم وحضارات وعلوم، يونانية أو هندية أو فارسية أو عربية جاهلية، لا يزيد الإسلام مجداً، بقدر ما نراه خطاباً إقصائياً ودعائياً لا يمت للواقع بصلة. أقول: لو كان عنوان ندوة الجنادرية: «القيم وتأصيل المفاهيم في الإسلام» ما اعترضنا، لكنها القيم وتأصيل المفاهيم الإنسانية وليست الدينية، والإسلام ليس ديناً فقط إنما حضارة أيضاً، وكل هذا شُيد على بناء سابق، من فعل الأمم السَّالفة.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
«أهل البيت».. لا نواصب ولا روافض
2017-02-15
قلم نوري المالكي.. «المحفوظ»!
2017-02-08
مكتبة الإسكندرية: معاً ضد التطرف
2017-02-01
رفسنجاني.. غياب المعتدل المنافس
2017-01-11
الخميني.. وسوء معاملة غير المسلمين
2017-01-04
2017 نحو التنوير والتسامح
2016-12-28
حلَب ابن العَديم والكواكبي
2016-12-21
أوروبا ومخاض التسامح الديني
2016-12-14
غير المسلمين.. مواطنون لا جوالي
2016-12-07
الحشد الشَّعبي.. لكلِّ زمن حرسه!
2016-12-01
المزيد

 
>>