First Published: 2016-02-18

حربنا العالمية الثالثة

 

أيُفنى جزء من العالم من أجل أن يحقق البعض أمنيته في التخلص من بشار الاسد ونظامه؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

سيكون حدثا مؤثرا أن يشهد المرء وقوع حرب عالمية ثالثة. يمكن أن لا تقع تلك الحرب، لكن هناك من يتمنى وقوعها. ولأنها ستقع على أرض سوريا كما يتمنى البعض فمن الغريب فعلا أن يكون هناك سوريون يفرحون لوقوعها.

أيُفنى جزء من العالم من أجل أن يحقق البعض أمنيته في التخلص من بشار الاسد ونظامه؟ عقولنا الساذجة يمكنها أن تفكر بطريقة من ذلك النوع.

مما يدعو إلى الدهشة أن العرب قد قفزوا في الالفية الثالثة على مسلمات ثقافتهم وبداهات حياتهم ليطلبوا من المجتمع الدولي أن يلحقهم عن طريق الرفس والضرب والتشريد والقصف بالحياة العصرية.

لو أنهم فعلوا شيئا يسيرا مما يطالبون بأن يفعله الآخرون من اجلهم لما شهدوا صعود الطغاة ولما صادرت الانظمة الشمولية حرياتهم ولما تحولوا إلى مشروع مفتوح على مختلف صنوف القمع والاذلال والعبودية.

فالانظمة التي أسُقطت في العراق وتونس واليمن ومصر، بتدخل عسكري خارجي أو بضغط من المؤسسة العسكرية المحلية هي ذاتها الانظمة الوطنية التي حظيت بإجماع شعبي ذات يوم.

الثقافة التي تبنت تلك الانظمة وهي ثقافة أصيلة وغير ملفقة لا تؤهل الشعوب لأن تكون غير ما ما كانته. لم تكن تلك الثقافة تميل إلى صناعة شعب حر، يدير شؤونه بنفسه بل انصب اهتمامها على انتاج زعماء ملهمين وقادة تاريخيين.

هكذا كان جمال عبدالناصر الذي شحب نموذجه على يد سليله حسني مبارك. وهكذا كان الحبيب بورقيبة الذي انقلب عليه ابن مؤسسته زين العابدين بن علي. وهكذا كان علي عبدالله صالح وهو الابن المدلل لقبلية تمترست وراء العسكر من أبنائها. وهكذا كان معمر القذافي الذي عبأ فوضاه في قناني الجماهيرية التي لم يفهم أحد من الليبيين من دستورها (الكتاب الأخضر) شيئا.

أما بشار الاسد وهو آخر المقاومين فإن كونه وارثا لنظام جمهوري يعد سببا مقنعا للتساؤل عن الطبيعة الصنمية لتفكير الشعب الذي قبل أن تكون جمهوريته موضع وراثة عائلية.

هناك مَن يميل إلى اعفاء الشعوب مما أنتهت إليه. لم تكن الشعوب سوى ضحية للاستبداد. وهي نظرة من وجهة نظري تستخف بواجب الشعوب في صنع مصائرها وتجعلها مجرد قطعان غنم يقودها كل مَن سنحت له الفرصة للاستيلاء على عصا السلطة. نظرة مجحفة تضفي على سلبيتنا قدرا هائلا من الطهر.

من وجهة نظري فإن الامور ليست كذلك تماما.

مَن يدعو الآن إلى أن تتقاتل القوى الكبرى مباشرة أو من خلال ذيولها على ارض سوريا، انما يضمر في نفسه فكرة سيئة عن عالم أبله لا يجد حلا لمشكلاته إلا عن طريق الحروب. وهو ما يكشف عن سذاجة نظرتنا إلى العالم وآليات عمله وطريقته في درء الخطر عن نفسه.

وإذا ما عدنا إلى الزمن الذي أعقب الحرب العالمية الثانية فإن حربا عالمية آخرى لم تنشب بسبب فيتنام أو كوريا أو مصر أو كوبا أو العراق أو اوكرانيا، بالرغم مما شهده العالم من توتر وشد أعصاب بسبب اختلاف وجهات نظر القوى الكبرى في النظر إلى ما شهدته تلك البلدان من حفلات جنون.

فهل يُعقل أن يتدنى مستوى التفكير لدى صانعي القرار في الدول الكبرى إلى المستوى المنحط الذي يجعلهم يرتكبون جريمة، لا يمكن التنبوء بحجم ما تنطوي عليه من دمار عالمي بسبب سوريا؟

أعتقد أن الهروب إلى الامام من خلال تمني تورط جهات جديدة في الحرب السورية بإعتباره ردا على التدخل الروسي لن ينفع في شيء، بقدر ما يكشف عن استمرارنا في النظر إلى موقفنا السلبي بإعتباره القارب الذي ينجو بنا من مواجهة مسؤوليتنا عن صنع الطغاة والاطالة في عمرهم ومدهم بأسباب الحياة.

هي حربنا وليست حرب الآخرين.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الخوف من الوطن
2017-04-24
هل ستفلت إيران من عاصفة ترامب؟
2017-04-23
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
متى يلتفت العرب إلى أنفسهم؟
2017-04-16
زمن أولاد الشوارع
2017-04-15
حين يتاجر القتلة بالقتلى
2017-04-13
المزيد

 
>>