First Published: 2016-02-21

الصحافي لا يقول فرحت، بل سمعت وشاهدت

 

القراءة التبسيطية للتنافس بين الورقي والرقمي من دون أن يكون لجودة المحتوى دور فيها، لا تفضي إلى شيء مثل موقف الناشر العربي السعيد وكأنه من أطاح بصحيفة إندبندنت من عرشها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

عبّر ناشر عربي وصحافي عن سعادته الغامرة بتوقف صحيفة إندبندنت البريطانية عن الإصدار، في تغريدة متهكمة على الصحف الورقية، لأنه لا يرى مكانا لمثل هذه الصحف بتاتا في العصر الرقمي، كان يتحدث بوصفه صاحب إنجاز رقمي في زمن الصحافة الورقية، وليس نتاجا طبيعيا للتصاعد التكنولوجي. كتب مثل هذا الكلام مع أن الصحافي بكل بساطة لا يقول أنا فرحت، بل بكل تواضع يقول سمعت وشاهدت.

قبل سنوات كان هذا الصحافي الناشر ضيفا على احتفالية إحدى الصحف العربية الصادرة في لندن بمناسبة ذكرى صدورها، جميع الحاضرين كانوا ينتظرون منه كلمات تهنئة لكادر الصحيفة ومشاركتهم الاحتفال، لكنه بدأ كلامه بسؤال “لماذا أنا هنا؟”.

كان يسأل نفسه بوصفه ضيفا وصديقا لرئيس تحرير الصحيفة صاحبة الاحتفالية، ولا يوجه سؤاله للحاضرين، واختصر الإجابة بقوله إنه ضد الصحافة الورقية وضد إصدارها اليوم ولا يتوقع أي مستقبل لها، فالعصر للصحافة الرقمية، فيما هو قبل أن يكون ضيفا على صحيفة ورقية!

ليس مهما إعادة ما دار من جدل في احتفالية تغير مسارها، لكن الأهمية تكمن في المفاهيم التي يتداولها بعض المشرفين على الإعلام العربي، وقراءة خاطئة من هذا النوع تجعل “التكنولوجيا المتقدمة بيد متخلفة” حسب تعبير الزميل هيثم الزبيدي. فمثل هؤلاء وفق الكاتبة سوسن الأبطح “يحتاجون من يرصد كلاسيكيتهم” وهم يضعون حلولهم الرقمية في فوضى صحافية لا تقل عن فوضى العسكر.

تردي المحتوى وليست التقنيات هو ما أطاح بالإعلام العربي، أو استبدله على وجه الدقة. الناس لا تتابع الإعلام العربي لأنه لا يقول ما يفيد أو يقدم ما فيه معنى وفق تعبير الدكتور الزبيدي “لا علاقة لهذا بأن ما يكتب يجد طريقه للنشرعلى ورق أو على شاشة كمبيوتر. المحتوى الجيد سيجد طريقه للقارئ بالتأكيد، مثله مثل المحتوى المثير، ولكن ليس المحتوى الرديء بالتأكيد”.

فالصحيفة الورقية مثل الكتاب وسيلة جليلة يتناقلها الناس ويلجؤون إليها كحاجة روحية لا تفقد قيمتها، أما القراءة التبسيطية للتنافس بين الورقي والرقمي من دون أن يكون لجودة المحتوى دور فيها، فهي قراءة لا تفضي إلى شيء مثل موقف الناشر السعيد وكأنه من أطاح بصحيفة إندبندنت من عرشها الورقي.

سبق وأن طالب الكاتب البريطاني سايمون جنكينز بعدم الوقوع في خطأ إلغاء القديم من أجل التجربة الحية التي يبثها العصر الرقمي. وتوصل الكاتب الذي يكتب عمودين أسبوعيا في صحيفتي الغارديان اليومية وإيفينيغ ستاندر المسائية، إلى أن العصر ما بعد الرقمي، لن يجعل من شبكة الإنترنت مقصدا في حد ذاتها ولكنها ستكون خارطة طريق إليه.

كما أن الخلاف لا يبدو عند آلن روسبيردغر رئيس التحرير السابق لصحيفة الغارديان، في سطوة الثورة الرقمية على وسائل الإعلام، بل في اختيار المجتمعات لخطابها وتنظيم أنفسها في ديمقراطية جديدة من الأفكار والمعلومات، وتغيير مفاهيم السلطة، وإطلاق الإبداع الفردي، ومقاومة خنق حرية التعبير.

مازال القارئ الوفي على استعداد لمضاعفة ثمن القهوة عندما تقدم له مع صحيفة بمحتوى متميز، ليس من أجل منع سقوط الصحف الورقية، بل من أجل أن يكون الصحافيون أمام اختبار صناعة مختلفة.

لا نتحدث هنا عن مسحة حنين للماضي، بل عن صناعة تتطلب وسيلة مستدامة في تحرير الأخبار والتكيف مع سلوكيات جديدة للقراءة ومهمة تتجاوز الدور الكلاسيكي للصحيفة الورقية.

وجنكينز وروسبيردغر ليسا من أعداء التكنولوجيا، فالإنترنت يعد أكبر مكافأة مبتكرة في حياة الإنسان، إلا أن العودة إلى الكياسة المعرفية التي سلبها الإدمان على الكمبيوتر تبدو مبهجة.

الصحافي أيضا أمام اختبار ابتكار المحتوى المتميز وليس لشن حرب على الأنواع المتاحة اليوم رقمية كانت أم ورقية. ندرك أن سيكولوجية القراءة تحتاج عقودا من أجل التكيف مع الطرق المعاصرة، فلم تفقد بعد الطبيعة البشرية حسها الذاتي لملمس الصحيفة والكتاب، والإنسان يرى أن المتعة التي توفرها له الصحيفة “بمحتوى متميز” لم تفقد أثرها بعد، وهو مستعد للبقاء وفيا لصحفه إن أدرك صانعوها أن سلوك القراء تغير ولن يعود للوراء.

مثل هذه المتعة التي تقدمها قراءة الصحيفة الورقية، تصبح بنكهة رقمية مختلفة وتسلية مفيدة في الأجهزة الذكية. ومثل هذين الوجهين للصحيفة الورقية والرقمية سيكونان متاحين إلى وقت، إن أدرك الصحافيون لدورهم الجديد في صناعة المحتوى المتميز.

الإنسان سيقضي وقتا سعيدا في المقهى القريبة من منزله ومستعدا لدفع ثمن مضاعف مقابل قهوته وصحيفته المتميزة، تماما كالمتعة التي يقدمها له جهاز الراديو في أوقات ما، لن يكون فيها مضطرا لإقفاله من أجل متابعة ما يبثه التلفزيون.

إن ما لم يستطع أن يفكر به زميلنا “الناشر والصحافي العربي” أن من كتب الصحيفة بالقلم وصممها بيديه بالمسطرة والمقص على الورق، هو من أقام صرح التقنيات التي نعيشها اليوم، أي أن الإنجاز بشقيه الثقافي والتقني ينبغي أن يمر من بوابة التعليم الحقيقي والمتفاعل وليس فقط من خلال شاشة الكمبيوتر.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي
2017-11-05
نايبول ونكهة طعام نظيرة
2017-10-31
الحكومات تريد أن تبقي الصحف على قيد الحياة
2017-10-29
الرجل كسول، ماذا عن المرأة؟
2017-10-24
الصحافة جبانة قبل أن تكون شجاعة
2017-10-22
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
المزيد

 
>>