First Published: 2016-02-23

السنوسي الأخير

 

عمر السنوسي شاهد على صحافة استيقظت في ليبيا وذبلت قبل أن تصحو، عاش زمنا لا صحافة فيه، فكان يبدو المشهد واضحا أمام عينيه من دون أن يستطيع أن يفعل شيئا في دولة اللادولة آنذاك.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

وطن أحبه ويزدريني

وقف جواري يتأمل طرابلس العتيقة وعلى جانبه البحر يمارس شهادته الصامتة مذ حل الخراب في البلاد، قال تأمل كم تبدو طرابلس جميلة!

الجمال بالنسبة إلى عمر السنوسي كان مجرد إحساس بمدينته وإخلاص أن يكون الابن البار لها، هو الطرابلسي ابن سوق الجمعة. لذلك بدت طرابلس جميلة له، فيما هو مثلي يتحسس الخراب والفوضى اللذين تعيشهما ولا يريد أن يراهما من أجل أن تبقى مدينته بنفس الألفة والحرية التي كتب عنها القاص الراحل كامل المقهور في “محطات” سيرة شبه ذاتية.

لا أدري إن كان السنوسي الذي رحل عنا إلى الأبد هذا الأسبوع أعاد وقفته بعدي وظل يتأمل جمال طرابلس في داخله، بعد أن اجتمع الخراب المعلن فيها.

كان العقيد القتيل يتفنن بالأمس بإعلاء شأن الفوضى، وأبناء الإسلام السياسي اليوم يريدون إعادة البلاد إلى قرون الظلام، فيما المدينة تفقد أبناءها في قائمة تزداد شحوبا.

عمر السنوسي شاهد على صحافة استيقظت في ليبيا وذبلت قبل أن تصحو، عاش زمنا صحافيا لا صحافة فيه، فكان يبدو المشهد التاريخي واضحا أمام عينيه من دون أن يستطيع أن يفعل شيئا في دولة اللادولة آنذاك.

يدرك أن صحف بلاده لا تقرأ، لكنه صحافي لا يمكن أن يترك أدواته ويحمل معولا أو مطرقة للعمل، فبقي يكتب كلما تسنى له أن يمرر شيئا وإن أثار غضب السلطات آنذاك.

بعد عام 2011 عاش الرجل مراقبا خذله جسده فشح عليه العلاج ولم يجد غير مصحات تونس المجاورة تساعده على البقاء لسنوات أُخرى كي يواصل مراقبته لما يحل في “وطن أحبه ويزدريني” كما يصفه صديقه الشاعر مفتاح العماري.

عاش عمر السنوسي سنوات ضيق وجدب مع المرض، هو الصحافي الذي بقي مؤمنا بقدرة الكتابة على تغيير الأوضاع، فيما غالبية أبناء جيله تلبستهم الخيبة وفقدان الأمل فقبلوا بالترهل هروبا من المواجهة.

لا أحد سأل عنه، وبقي كمن ينتظر موته “ما أصعب على الإنسان أن ينتظر موته” وثمة أمل يجده في عيني ابنته أريج ورجولة قيس ومحمد، وأسئلة الأصدقاء المتباعدة بعد أن تحولت البلاد إلى أوصال بين الميليشيات المتقاتلة.

رحل عمر السنوسي وليست ثمة مساحة في صحافة ليبيا في “الزمن الديمقراطي” لما يليق بهذا الرجل غير أخبار خجولة لا تتحدث عن سيرة رجل مهر الصحافة منذ كتابه “رحلة خبر” حتى آخر عمود كتبه تحت زاوية “شموع” وتحت أعين الرقيب.

وكان مثله مثل غيره من أبناء تلك البلاد التي لا تستطيع اكتشاف مكامن الجمال فيها إلى درجة أن هيردوت يود لو أعاد جملته الشهيرة لكن بدلالة مختلفة تماما فمن “ليبيا يأتي الجديد” لكن أي جديد اليوم!

وداعا أبا قيس.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

الاسم ط. ع
الدولة الله يرحم السنوسي

خسارة كبيرة حقا ، كان اعلاميا وانسانا متميزا ، لن انسى يوم استقبلنا في مكتب المجلة التي كان يرأس تحريرها واظنها كنت تعنى بالاذاعة والتلفزيون كان دمثا طيبا منفتحا ، شكرا لوفائك عزيزي

2016-02-23

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
قلوبنا أقل جودة
2017-09-12
لا توجد دروس في التاريخ تتعلمها الصحافة
2017-09-10
شكرا يا عمر!
2017-09-05
الشعور السيء يمكن أن يكون جيدا!
2017-08-29
انحياز عقلي في عالم ما بعد الحقيقة
2017-08-27
تلفزيون الواقع العربي
2017-08-20
كاظم الساهر نجمة عالية في علم العراق الوطني
2017-08-15
الأخبار بيئة صعبة تبحث عن هوية
2017-08-13
المزيد

 
>>