First Published: 2016-02-24

السعودية تضع اللبنانيين امام مسؤولياتهم

 

هل لبنان مستعمرة ايرانية ام لا؟ هل في استطاعة اللبنانيين التصدي لهذا الواقع الاليم والمخزي في آن؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

يمكن ان يتبيّن يوما ان المملكة العربية السعودية قدّمت اكبر خدمة يمكن تقديمها الى لبنان. دعت اللبنانيين الى الاستيقاظ على واقعهم وذلك في ضوء ما اتخذته من اجراءات تعتبر حقّا طبيعيا لها. قضت هذه الاجراءات بتعليق الهبتين المخصصتين للجيش وقوى الامن الداخلي. لم تقدم على هذه الخطوة التي لا سابق لها في تاريخ العلاقات بين البلدين الّا بعدما اثبت لبنان بالملموس انّه صار مجرّد مستعمرة ايرانية. اكبر دليل على ذلك ان وزير الخارجية اللبناني، وهو جبران باسيل رئيس التياّر العوني، بات بمثابة وزير للخارجية الايرانية في ايّ محفل عربي او اسلامي او دولي.

من المفيد ان يعي اللبنانيون انّ الموقف السعودي هو ايضا موقف دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي لم يتأخّر عن دعم ما قرّرته المملكة وشدّد في الوقت ذاته على ان لبنان بات يغرّد خارج السرب العربي.

في الواقع، طال صبر المملكة ودول الخليج العربي، خصوصا بعدما تحوّل لبنان منبرا تقول منه ايران ما لا تريد قوله عبر وسائل الاعلام فيها او عبر مسؤوليها. اكثر من ذلك، صار لبنان مكانا تنطلق منه اجهزة اعلام وفضائيات يحميها "حزب الله" لا هدف لها سوى مهاجمة دول عربية معيّنة. ما الذي يمكن توقّعه عندما يصبح لبنان مجرّد "ساحة" تستخدم في عملية ابتزاز العرب، خصوصا اهل الخليج؟

لم يترك "حزب الله" واتباعه من جماعة ميشال عون او من السياسيين المنتمين الى مجموعة يتامى النظام الامني السوري ـ لبناني مناسبة الّا وتهجّموا فيها على دول الخليج العربي مع تركيز خاص على السعودية. صار هتاف "الموت لآل سعود" ملازما للخطابات التي يلقيها الامين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله.

صار نصرالله يسمح لنفسه حتّى بالقاء دروس في الوطنية على السنّة العرب متجاهلا ان ايران جزء لا يتجزّأ من عملية اثارة الغرائز المذهبية في المنطقة، وهي عملية لا تخدم، للاسف الشديد، سوى دولة عنصرية مثل اسرائيل.

كل السياسة الايرانية قائمة منذ سبعة وثلاثين عاما على المذهبية، خصوصا بعد الاحتلال الاميركي للعراق ووصول الميليشيات الشيعية العراقية الى السلطة في بغداد على دبّابة اميركية. شعرت ايران، بعد خوضها الحرب على العراق بالتحالف مع الولايات المتحدة، انّ في استطاعتها اخضاع دول أخرى في المنطقة. هذا ما يفسّر تلك الهجمة على لبنان التي تخلّلها فاصل التخلّص من الرئيس رفيق الحريري في مثل هذه الايّام قبل احد عشر عاما. كان ذلك الفاصل نقطة تحوّل على الصعيدين اللبناني والاقليمي، وكان في جانب اساسي منه تجديدا للهجوم على لبنان من اجل الامساك بمفاصل السلطة فيه. هل صدفة ان "حزب الله" الذي رفض دائما منح الثقة لحكومات رفيق الحريري بدأ يصرّ، بعد اغتيال الرجل، على ان يكون ممثلا في كلّ حكومة منذ اليوم الأوّل للتخلص من باني لبنان الحديث؟

لم يسبق للسعودية ان صبرت على بلد صبرها على لبنان وابنائه. لم تقدم على خطوة وقف المساعدات المقرّرة لتسليح الجيش ولشراء معدّات لقوى الامن الداخلي الّا بعدما طفح الكيل. لم يكن في وسع المملكة الصبر اكثر. كان عليها وضع اللبنانيين امام مسؤولياتهم في وقت يعاني البلد من مشاكل لا تحصى بدءا بالفراغ الرئاسي الذي يفرضه "حزب الله" الطامح الى تأكيد ان البلد كلّه رهينة لديه.

في تاريخ العلاقة بين البلدين، وهو تاريخ طويل، لم تقدّم السعودية سوى الخير للبنان وابنائه. هناك عشرات آلاف اللبنانيين يعملون في المملكة. لم تفرّق السعودية يوما بين شيعي وسنّي او بين مسلم ومسيحي، كما لم تسأل عن التوجّه السياسي لهذا اللبناني او ذاك.

كان مفترضا في الحكومة اللبنانية ان تتنبّه باكرا الى خطورة تحوّل البلد قاعدة ايرانية ووزير خارجيته بدلا عن ضائع من وزير الخارجية الايراني، فضلا عن ان ليس ما يضمن عدم استفادة "حزب الله" من المساعدات السعودية.

كذلك، كان مفترضا في الحكومة اللبنانية اتخاذ موقف واضح الحملات التي تتعرّض لها المملكة العربية السعودية، كما كان عليها استيعاب ان ايّ شتيمة للمملكة العربية السعودية سترتدّ على لبنان. ما هي المصالح السعودية في لبنان؟ يستطيع السعودي الذهاب الى ايّ مكان آخر في العالم في حال كان يريد السياحة. ماذا لدى لبنان يقدّمه اكثر مما تستطيع ان تقدّمه تركيا على سبيل المثال وليس الحصر.

في هذه المرحلة الصعبة والمعقّدة التي يمر بها لبنان وكلّ القطاعات الاقتصادية فيه، على رأسها القطاع المصرفي، يبدو البلد مقبلا على فترة اقلّ ما يمكن ان توصف به انهّا غير مريحة.

هل في استطاعة لبنان الرافض ان يكون ولاية ايرانية وان يبقى عربيا، كما يؤكّد الرئيس سعد الحريري، مواجهة العاصفة التي يبدو انّها مقبلة عليه بسرعة جنونية؟

تبدو العاصفة المقبلة على لبنان عاتية. ما قامت به السعودية ليس سوى اوّل الغيث، خصوصا اذا لم يستوعب اللبنانيون انّ قرار المملكة كان من اجل التنبيه الى انّ الوضع الراهن لا يمكن ان يستمرّ الى ما لا نهاية. هل في استطاعة لبنان الردّ على "حزب الله"، اي على ايران؟ ام صار على اللبنانيين الرضوخ لامر واقع متمثّل بان بلدهم مخطوف ومغلوب على امره وان نشر البؤس فيه هدف ايراني بحد ذاته؟

بدل انتقاد الموقف السعودي، يتوجب على لبنان توجيه شكر الى المملكة، لعلّ تعليق الهبتين يثير نخوة الحكومة اوّلا ويؤدي الى اتخاذها موقفا يعيد الامور الى نصابها. هل هذا ممكن في ظل موازين القوى السائدة في البلد وفي ظلّ اصرار "حزب الله"، وهو ميليشيا مذهبية مسلّحة، ومن خلفه ايران على خوض الحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري من منطلق مذهبي اوّلا واخيرا؟

الثابت ان لبنان في وضع لا يحسد عليه. مصيبة اذا استقالت الحكومة ومصيبة اذا لم تستقل. ما صار مطروحا صراحة كيف تتصرّف الحكومة للحدّ من الضرار الناجمة عن اعتبار "حزب الله" البلد ملكا له وتابعا لايران، اي مستعمرة ايرانية بكلّ ما في كلمة مستعمرة من معنى. انّه الواقع الاليم الذي يستفيق عليه اللبنانيون. لا شكّ ان المملكة العربية السعودية، التي باتت مملكة مختلفة في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، ومعها كل دول الخليج العربي، وضعت اللبنانيين امام مسؤولياتهم. هل بلدهم مستعمرة ايرانية ام لا؟ هل في استطاعتهم التصدي لهذا الواقع الاليم والمخزي في آن؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
مرحلة الصواريخ الباليستية والميليشيات
2017-11-22
ابعد من استقالة... انّه مصير لبنان
2017-11-20
لبنان لن يغيّر جلده
2017-11-19
المصالحة الفلسطينية والامتحان القريب
2017-11-17
سعد الحريري... صدمتان وليس صدمة واحدة
2017-11-15
استقالة سعد الحريري لم تكن عشوائية
2017-11-13
قمر مغربي ينطلق من قاعدة ثابتة
2017-11-12
المأزق الكردي... مأزق عراقي ايضا
2017-11-10
ثورة في السعودية
2017-11-08
عندما يرفض لبنان تغطية سياسات ايران
2017-11-06
المزيد

 
>>