First Published: 2016-02-25

مصر.. الخطأ في 'السيستم' أم التوجهات؟

 

لا تمسكوا بأمين الشرطة وتحملوه كل اخطاء المنظومة الأمنية. المشكلة اعمق وحان وقت معالجتها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الرئيس المصري والوزراء وجميع المسؤولين تقريبا يؤكدون دائما الرغبة في مكافحة الفساد والاستعداد لتطوير الأداء وتحقيق الأهداف والطموحات والأمنيات، بمعنى أن التوجهات الرسمية إيجابية، مع ذلك لا تتوقف الكوارث والأزمات، وما أن نتجاوز إحداها، حتى تأتي أخرى أشد بشاعة، وتكاد تتكرر الاخطاء في مجالات وقطاعات مختلفة، بما يوحي أن هناك خللا في ما يسمى بـ "السيستم" الذي يدير المنظومة برمتها بأفكاره وأدواته التقليدية.

خلال الأيام الماضية وقعت مجموعة من الأحداث في مصر تعزز صدق هذا الكلام، وتؤكد أن هناك حاجة ضرورية لامتلاك رؤية أكثر وضوحا للمستقبل، مصحوبة بإدخال تعديلات جوهرية على الجهاز الإداري، الذي يتحكم في المفاتيح الأساسية للدولة. فلا نزال نعمل بطرق تجاوزها الزمن، ونتصدى للأزمات بطريقة المشاعر وتطييب الخواطر والمسكنات والنصائح والإرشادات المدرسية التي تحض على الالتزام بالقيم والأخلاق، أو الحيل البيروقراطية، وهي وسائل لن تكون كافية للقيام بنقلة نوعية في مواجهة مشكلات متراكمة، خلقت لنفسها جماعات مصالح تدافع عنها.

في هذا السياق، يمكن الوقوف عند مشكلتين، قد تكونا كاشفتين لحالة التخبط التي نعيشها على مستويات متعددة، وتجيبان على سؤالي، لماذا تتكرر الأخطاء؟ ولماذا نفشل في العلاج؟

الأولى، أزمة أمناء الشرطة، وقد أخذت نصيبها من الاهتمام والضجيج، وارتفعت راية المزايدات، وعلقت المشانق على الأبواب، وجرى حصر أزمات مصر في مربع الأمناء، بل تحميلهم كوارث لا ذنب لهم فيها، كأن هناك من كان يبحث عن كبش فداء، يضع على عاتقه أخطاء الشرطة، لتصبح صفحتها بيضاء، والإيحاء بأن الغضب من الضباط سببه تجاوزات الأمناء.

مؤكد أن فئة الأمناء بها عملات رديئة وأخرى جيدة، مثل جميع الفئات في مصر، والتعامل مع الخارجين لن ينفع معه التعميم، كما لن تفيد طريقة الإقصاء. فلا يعقل أن تخرج أصوات تتحدث عن إغلاق معهد أمناء الشرطة، وتطالب بسحب السلاح منهم، كأن من تخرجوا في المعاهد والكليات الأخرى على درجة عالية من التعقل والاتزان وحسن السير والسلوك، بينما العلاج يقوم على البحث عن الوسائل المناسبة التي تسمح بالإصلاح الشامل وتطبيق القانون، وهي الحلقة الأصعب التي يحاول أن يهرب منها بعض المسئولين، لذلك فاستمرار الخلل في "السيستم" سوف يجعل أزمة الأمناء مرشحة للتكرار بصور وأشكال مختلفة.

أما الأزمة الثانية، فهي أشد تعقيدا، لأن لها أبعاد داخلية وأخرى خارجية، وأدى سوء التقديرات فيها إلى جلب جملة من العراقيل السياسية، وهي تتعلق بملف الحريات، الذي تتعمد بعض الجهات الغربية تضخيمه، بسبب بعض الأخطاء الساذجة، التي أوحت بأن ثمة استهدافا سياسيا منظما.

القصة تبدو قديمة، ودارت حولها روايات كثيرة، اختلط فيها الصدق بالكذب، والتهوين بالتهويل، ودخلت على خطوطها منظمات محلية ودولية، حتى بدا هناك رأي عام دولي يسلم بأن الحريات بمصر في خطر داهم، خاصة أن بعض الأحداث والتجاوزات والتى وقعت خلال فترة زمنية متقاربة، تركت نتائج تدعم الانطباعات بوجود حملة ممنهجة تريد خنق الحريات، دعمتها الصورة السلبية التي تتعمد بعض المنظمات الدولية الترويج لها خلال الفترة الماضية.

وقد لفت نظري في هذا المجال، تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية يوم الاثنين الماضي، رصد عددا من التطورات تشير إلى أن هناك اعتداءات صارخة على الحريات في مصر، وعززتها بوقائع، من نوعية مداهمة معرض "تاون هاوس" بوسط القاهرة، وغلق دار نشر "ميريت" في ديسمبر الماضي، وأخيرا الحكم القضائي الذي صدر بحق الروائي أحمد ناجي، واستند التقرير إلى تصريحات وليام ويلز الذي عرفته الصحيفة بأنه مدير المعرض، بينما المدير المسئول الرسمي هو الفنان ياسر جراب.

الطريقة المثيرة التي صاغتها الصحيفة، جعلت أحد الأصدقاء المقيمين في لندن يتصل بي منفعلا: هل الأمور وصلت في مصر إلى هذه الدرجة من تضييق الخناق؟ وهو ما جعلني أقرأ النص الأصلي للتقرير، الذي صيغ بعناية تشعرك على الفور أنك أمام دولة أمنية باطشة، لا هم لها سوى مطاردة المثقفين والمفكرين والفنانين. وإمعانا في التدقيق اتصلت بأحد الفنانين الكبار في مجال الفن التشكيلي، ولم يستبعد وجود أهداف سياسية من غلق معرض "تاون هاوس" باعتباره ملتقى للشباب، خاصة أن الغلق تم قبل حلول الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير، لكن ذلك تم تغليفه بإجراءات إدارية.

وتساءل الفنان عن سبب كلام وليام ويلز في هذا التوقيت، والغلق مضى عليه نحو شهرين (منذ 29 ديسمبر الماضي)، ولم يخف هواجسه من النشر بهذه الطريقة، كما أنه لم يخف قلقه على الطريقة التي تتعامل بها الأجهزة الحكومية مع الحريات، ونصحني بالحديث مع ياسر جراب، باعتباره المدير المسئول الفعلي عن معرض "تاون هاوس".

عندما تحدثت الفنان ياسر جراب حرص على نفي أي صفة سياسية أو أمنية من وراء الغلق، لكنه اعترف أن الموقف كان غامضا في البداية، إلى أن تم منحه تصريحا مؤقتا لإعادة فتح المعرض في 15 فبراير الجاري، مع استكمال الإجراءات التي طلبتها نحو خمس جهات إدارية، من نوعية مدى الالتزام بوسائل الأمان، مؤكدا أنه عندما سأل شريكه وليام ويلز عن كلامه المنشور والمنسوب إليه في الغارديان قال له "نحو 70 في المئة منه غير صحيح".

ما أريده من وراء هذه القضية، التأكيد على أن هناك تصرفات إدارية ملتوية تحمل أهدافا سياسيا، تقود أحيانا إلى مشكلات خطيرة، تتحمل الدولة نتائجها، وهو دليل آخر على أن الخطأ في "السيستم". فالجهات التي أغلقت معرض "تاون هاوس" ومعارض أخرى، ودار نشر "ميريت" بحجج إدارية، أشارت إلى أن التجاوزات التي يحاسبون عليها ظهرت فجأة ولم تكن موجودة من قبل؟ دون أن تأخذ في الحسبان خطورة الطريقة الفجة التي تعاملت بها، وأثارت الشكوك في أنها تنطوي على أهداف سياسية وأمنية، الأمر الذي لم يعد خافيا على كثيرين، وفي توقيت ترصد فيه دوائر عدة ما يجري في ملف الحريات، الذي يراه كثيرون هشا بحكم السوابق التاريخية، ومن السهولة تصيد الأخطاء فيه.

المطلوب مروحة واسعة من الأفكار، تتجاوز حدود التوجهات التقليدية، تساعد في الوصول إلى حلول مبتكرة وشاملة، تراعي احتياجات البيئة المحلية، ولا تتجاهل المعطيات الدولية الراهنة، باختصار مطلوب تحديد الرؤية وتغيير "السيستم".

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
المزيد

 
>>