First Published: 2016-02-28

إعلام الانتخابات يضج بالصخب وإطلاق النار

 

الإنترنت يتطور ويتحول من مجرد وسيلة إلى أداة مؤثرة بيد مستخدميها لصناعة الخطاب وتسيير العقول حتى شراء الأصوات في الانتخابات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

وسائل الإعلام تبدو المقياس الأفضل للسباق الرئاسي نحو البيت الأبيض في الولايات المتحدة، يبقى التلفزيون منتدى المرشحين الأكثر صخبا وفعالية، لكن المحطات الإذاعية ومواقع الإنترنت ترتفع إلى مصاف متقدم في المنافسة الشرسة، وسائل التواصل الاجتماعي تفعل فعلها أيضا، ضجيج تويتر وإن كان مقتضبا بمئة وأربعين حرفا لكنه قد يصل إلى ملايين المسامع.

المرشح المشاكس دونالد ترامب مثلا يجد في تويتر أفضل الوسائل للرد على ما يسميه الإهانات المتصورة من وسائل الإعلام، فكتب تغريدة الأسبوع الماضي واصفا إحدى الصحف بأنها واحدة من أدوات “إعلام غير شريف”.

يمتلك ترامب 12 مليون متابع بين تويتر وفيسبوك وإنستغرام ليتجاوز عدد متابعي وسائل الإعلام القائمة.

ببساطة، يمكن اعتبار “البرامج الحوارية هي شكل من أشكال إطلاق النار” وفق وصف كريج شيرلي، كاتب السيرة الذاتية لرونالد ريغان ومؤسس شركة للعلاقات العامة.

لكنه إطلاق نار عاش عمرا طبيعيا في التسلسل التكنولوجي، فإذا كان الجدل والصياح في الحوار الإذاعي تطورا في ما بعد إلى مشادة كلامية أو بالأيدي أحيانا في المناظرات التلفزيونية، وكلمات خارجة عن الكياسة والذوق على المواقع الاجتماعية، من حقنا أن نتخيل أن الناخبين سيطلقون شحنات كهربائية تلدغ منافسيهم في تكنولوجيا المستقبل! لم لا؟

هذا التسلسل التكنولوجي يصنعه إعلام شعبوي مثير ومخيف في آن، وبات المرشحون يستثمرون فيه بطريقة مغرية بعد أن بدأه المواطن الصحافي مع تحول الإنترنت إلى أداة بيده.

يسرد جاك سميث وتيم وو مؤلفا كتاب “من يحكم الإنترنت- أوهام عالم بلا حدود” حكاية من المفيد جدا العودة إليها اليوم لتحليل الصخب الانتخابي في وسائل الإعلام.

ففي مثل هذا الوقت تقريبا من عام 2000 كان جورج بوش يخوض سباقا محموما لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية ضد آل غور مدعوما بمئات الملايين من الدولارات من أموال الحملات والتبرعات، وقد ألهم هذا السباق العنيف جيمس بومغارتنر الطالب في معهد رينسلير التكنولوجي بفكرة عبقرية وهي إنشاء موقع إلكتروني أطلق عليه اسم “مزاد الأصوات” ردا على الدور المحوري الذي يلعبه المال في الانتخابات، وكان الموقع عبارة عن مساحة تمكن الناخبين غير المهتمين بالتصويت من بيع أصواتهم لأعلى مزايد.

وكان شعار الموقع “نحو علاقة وثيقة بين رأس المال والديمقراطية”، ومغزى فكرة بومغارتنر هي أن هذه الأموال التي تنفق في الدعاية الانتخابية لتشجيع الناخبين على التصويت، لماذا لا تدفع بشكل مباشر للناخبين؟

وصف بومغارتنر موقعه بأنه “المنصة الانتخابية الوحيدة التي تنقل أموال الحملات الانتخابية إلى المستهلك الديمقراطي مباشرة”.

وقد نجح الموقع بالفعل وكتبت صحيفة شيكاغو تريبيون آنذاك إن 521 شخصا في ولاية إيلينوي وحدها وافقوا على بيع أصواتهم في الانتخابات الرئاسية، وكان أعلى مبلغ وضعه مزايد لم يذكر اسمه لشراء هذه الأصوات هو 8500 دولار أو 16.31 دولار للصوت الواحد.

وربما أنشأ بومغارتنر الموقع على سبيل المزاح، لكن لجنة الانتخابات في شيكاغو قررت أن النكتة لم تكن مضحكة على الإطلاق، وأنه لا يوجد ما يضحك في عرض بيع الأصوات، وقررت السعي لإغلاق الموقع في أسرع وقت ممكن، ولجأت إلى وسيلة جديدة غير معتادة، فبدلا من استهداف بومغارتنر أو ملاحقة بائعي الأصوات أنفسهم، استهدفت اللجنة أصلا جوهريا وهو اسم الموقع نفسه.

وباختصار قام قاض في ولاية إيلينوي بإصدار إنذار قضائي ليس للموقع بل للجهة التي منحته اسم المجال، بالفعل قامت الشركة بإيقاف استخدام اسم الموقع إلى الأبد، وهذا يعني كما لو أن الموقع قد تم إغلاقه في العالم، وباءت كل المحاولات الأخرى في تسجيل الموقع لدى شركات أخرى بالفشل فيما الانتخابات كانت على وشك الانتهاء.

مثل هذه النكتة التي لم تكن مضحكة للجنة الانتخابات في شيكاغو قبل ستة عشر عاما، تتكرر اليوم بوسائل إعلامية مختلفة تؤثر على الناخب إلى حد أن يبيع “صوته مقتنعا” على وسائل التواصل الاجتماعي بحيث لم يعد من حاجة إلى الإنفاق على الإعلانات التقليدية عندما تكون مثل هذه الوسائل أكثر فعالية.

الإنترنت يتطور ويتحول من مجرد وسيلة إلى أداة مؤثرة بيد مستخدميها لصناعة الخطاب وتسيير العقول حتى شراء الأصوات في الانتخابات. لتحل محل وسائل الإعلام المعروفة، “فالبرامج الحوارية الإذاعية كصناعة تراجعت والجماهير تفككت”، حسب تعبير كريستوفر رودي، الرئيس التنفيذي ورئيس التحرير لمجموعة الإعلام المحافظة نيوزماكس ميديا.

فيما يرى الاقتصادي مارك فراتريك، أن البرامج الإخبارية والحوارية “لم تعد قوية بقدر ما كانت في ما مضى”، وأن التصريحات المثيرة للجدل من مضيفي البرامج الحوارية والمنافسة من أشكال أخرى من وسائل الإعلام ساهمت في التراجع.

أمام هذا التراجع الإعلامي تحل شبكة الإنترنت بفضل التكنولوجيا الجديدة بوصفها قوة إعلامية بيد السياسيين للوصول إلى منصة الحكم.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
الرقص ناخب بلا صوت!
2017-05-16
المرشد الأعلى لفيسبوك
2017-05-14
لا أقراص مهدئة قبل المناظرة التلفزيونية
2017-05-07
غبطة الراديو
2017-05-02
فكرة متطرفة لإنقاذ الصحافة
2017-04-30
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
مفعول النعامة ليس مجديا مع فيسبوك
2017-04-09
المزيد

 
>>