First Published: 2016-03-01

مَن يصل أولا إلى الهاوية؟

 

ليس لدى الصدر ما يفعله للفقراء سوى أن يسليهم بالأدعية. هذه قمة مشروعه السياسي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

شهدت بغداد في الجمعة السابقة تظاهرات حاشدة قادها رجل الدين الشيعي الشاب مقتدى الصدر تنديدا بالفساد والمطالبة بأن يكون التغيير الحكومي المنشود بحجم ما تتعرض له البلاد من أوضاع كارثية.

كان المشاركون في تلك التظاهرات في جلهم قد قدموا من مدينة الثورة، وهي مدينة مليونية تمثل الضاحية الأكبر من بين ضواحي بغداد وتعتبر الحاضنة الشعبية للتيار السياسي الذي يقوده الصدر.

في السبت الذي تلا تلك الجمعة شهدت مدينة الثورة تفجيرين لسيارتين مفخختين، راح ضحية لهما أكثر من مئة وخمسين عراقياً، بين قتيل وجريح.

من البداهة طبعا أن يعلن تنظيم داعش عن مسؤوليته عن الحادث الاجرامي. إن لم يعلن ذلك فإن وسائل الاعلام الرسمية ستعلن بناء على تصريحات خبراء الامن العراقيين بأن الحادث يحمل بصمات التنظيم الارهابي.

بعيدا عن ذلك السخف لابد من أن نتساءل "مَن هي الجهة التي ترغب في الحاق الأذى بالعراقيين الذين رفعوا أيديهم احتجاجا على الفساد؟"

كان تنظيم داعش في الوقت نفسه يمارس تمرينات في استعراض القوة على حدود بغداد. لقد انهارت قطعات من الجيش والحشد الشعبي في منطقة ابو غريب التي لا تبعد عن مركز العاصمة سوى بعشرين كيلومترا أمام زحف مقاتليه.

يكذب سياسيو العراق حين يدعون أن الحشد الشعبي قد حال دون سقوط بغداد بيد داعش. ايران من جهتها تكذب حين تزعم أنها حمت بغداد من السقوط. ذلك لأن التنظيم الارهابي لم يقم في السابق بأي نشاط تُستشف من خلاله رغبته في التقدم في اتجاه العاصمة العراقية التي لا أعتقد أنها تقع ضمن دائرة اهتماماته.

التزامن بين استيلاء التنظيم الارهابي على جزء من ضاحية ابو غريب المحاذية لبغداد وبين ما شهدته مدينة الثورة في بغداد من تفجيرات نُسبت مسؤولية القيام بها إلى داعش يضعنا في منطقة استفهامية قد تساعدنا على فهم ما شهده العراق من جرائم وما يجري للعراقيين.

من باب أولى يمكن التفكير بأن الجماعة الارهابية التي تحارب النظام السياسي القائم في بغداد لا يمكن أن تلحق الأذى بمعارضي ذلك النظام. ما يعني أن الجهة التي ضربت في ابو غريب لا يمكن أن تكون هي الجهة نفسها التي ضربت في مدينة الثورة.

أما إذا كانت تلك الجهة هي نفسها في المكانين فإن ذلك يؤكد ضلوع النظام الحاكم في صناعة كذبة اسمها داعش. فتفسير ما جرى في ابو غريب وما شهدته مدينة الثورة يمكن العثور عليه في محاولة القفز على المطالب الشعبية بمحاكمة الفاسدين من خلال ادعاء التفرغ للحرب على الارهاب الذي أثبتت الواقعتان أنه لا يزال قادرا على تهديد العاصمة والضرب في المناطق التي صارت نقية طائفيا.

ما أقصد الوصول إليه أن هدف اسكات الاصوات المعارضة لاستمرار الفاسدين من الحكم لا يدخل ضمن أجندة داعش.

وفق هذا المنطق يمكنني القول إن الاحزاب الحاكمة هي الجهة المستفيدة الوحيدة مما جرى ولم يكن تنظيم داعش سوى فزاعة جاهزة.

ما يؤيد استنتاجي أن مقتدى الصدر نفسه حين وصلته الرسالة رد عليها بتجديد دعوته للتظاهر يوم الجمعة المفتوحة. وهو ما يعني أن الحرب التي سعى الطرفان (مقتدى بتياره من جهة ومن جهة آخرى تكتل الأحزاب الشيعية) إلى ارجاء موعد نشوبها قد بدأت فعلا. وهي حرب ستكون مفتوحة على كل الاحتمالات.

وبعكس ما يراه ناشطو المجتمع المدني في العراق فإنني أرى أن الصدر لا يسعى إلى انتحال صفة القائد الجماهيري الملهم بمعجزاته الانقاذية بقدر ما يحاول أن يسبق الجميع إلى المنطقة التي يعتقد أنه من خلال الوصول إليها سيكون في منجى من تداعيات المرحلة المقبلة. وهي المرحلة التي ستشهد اعلان فشل النظام السياسي الذي اقامته احزاب سياسية عراقية تحت مظلة المحتل الاميركي.

ليس لدى الصدر ما يفعله للفقراء سوى أن يسليهم بالأدعية.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لتذهب إيران حيثما تشاء
2017-11-19
كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'
2017-11-18
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
بعد صاروخها الحوثي لن تنجو إيران من العقاب
2017-11-09
عراق الملل والنحل الذي دفنه أبناؤه
2017-11-08
الحريري خارج القفص الإيراني
2017-11-07
المزيد

 
>>