First Published: 2016-03-01

السعودية - لبنان: ما الذي فهمه حزب الله؟

 

يفهم حزب الله ان موقف السعودية ما عاد موقفا تفصيليا في لبنان بل مقاربة استراتيجية لمواجهة إيران وحلفائها في المنطقة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

للمتأمل لحال السجال السعودي اللبناني الأخير أن يلاحظ أن الرياض، ورغم هجومها على حزب الله، لم تضع الحزب على لائحة الإرهاب، ما يطرح أسئلة داخل السعودية، كما داخل لبنان، حول مآلات التصعيد السعودي - الخليجي الراهن إزاء لبنان، وخطة الطريق المرسومة للوصول إلى خواتيم معينة.

كان لا بد لحزب الله أن يرفع من حدّة خطابه في مواجهة الإجراءات السعودية الأخيرة. بمعنى آخر، يتموّضع الحزب وفق شروط التوتر لاستيعاب المخاض اللبناني الداخلي الذي أحدثته الصدمة السعودية. فأياً تكن طبيعة الإصطفافات المحلية، فإن حزب الله يتحمّل وزر وقف السعودية لهباتها المليارية، كما يتحمّل مسؤولية تراجع العلاقات بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي، والتي قد تذهب إلى "ما هو أسوأ"، من طردٍ للبنانيين وقطعٍ لعلاقات وإصدارٍ لقرارات عربية تزيد من عزلة البلد.

لم تصلّ الأمور إلى هذا المستوى، لكن جدّية المعركة السعودية ضد مصالح إيران في المنطقة قد تستدعي استخدام لوازم غير تقليدية، لا سيما أن المداولات السورية المواكبة لورشة الهدنة تقترحُ حظوظ تسوية تدفع الرياض للدفاع بقوة عن خطوطها في لبنان.

المسألة بالنسبة للبنان ليست انسحاباً على ما اعتقد بعض المتأملين للإجراءات السعودية، بل هجوماً مضاداً يستهدف استعادة مواقع وتدعيم مصالح. فهِم حزب الله تماماً جدّية الأمر السعودي، وهو (أي الحزب) في تصعيده اللفظي وإطلاق أزلامه في الشوارع، يناورُ استعداداً لمواجهة الإستحقاق السعودي، وهو مدرك أن حراك الرياض ليس منعزلاً عن جوٍّ إقليمي دولي يروم التعامل مع الحزب كحالة منفصلة عن تلك التي يقارب بها العالم إيران.

تُفرج الإجراءات العقابية التي اتخذتها الولايات المتحدة ضد حزب الله عن نوعية المشهد الدولي الجديد في التعامل مع "حالة" الحزب. استشعر الحزبُ جسامة الإجراءات المالية بحقّه، على النحو الذي أربك الدولة اللبنانية. سارعت بيروت إلى إرسال وفد نيابي إلى الولايات المتحدة، فيما ارتعب النظام المصرفي اللبناني ذي السمعة الدولية التاريخية، فباتت رحلات المصرفيين اللبنانيين دورية إلى واشنطن حماية لمصارف لبنان وتأكيداً لالتزامها الكامل بالتدابير الأميركية. لمسَ الحزب جدية المصارف اللبنانية في أمر ذلك، من خلال عمليات اقفال مكثّفة لحسابات مرتبطة بأنشطة الحزب، ومن خلال استغناء القطاع المصرفي اللبناني عن تحركات مالية ملتبسة على علاقة بالحزب.

يذهبُ العالم لفتح صفحة جديدة مع إيران منذ التوقيع على الاتفاق النووي الشهير. بيد أن الاتفاق مع إيران لا يصاحبه وصلٌ مع حزب الله، بصيغته الحالية على الأقل. لا بل أن شروط إنجاح الاتفاق مع إيران واستفادة العالم من تداعياته الاقتصادية والجيواستراتيجية، قد يستدعي التعامل مع إيران كدولة معترف بها في حيّزها الجغرافي وحدودها المعروفة، وخنق أي امتدادات إيرانية داخل تنظيمات خارج تلك الجغرافيا وتلك الحدود (لاحظ تصريحات وزير خارجية الإمارات الشيخ عبدالله بن زايد بصدد الدعوة لمواجهة ميليشيات الحشد الشعبي في العراق).

ولا شك أن حزب الله كان مدركاً منذ سنوات للمآلات السلبية لأي اتفاق مع طهران على مصالحه، فلم يبد حماسة، ولطالما شكك باحتمالاته والشبهة في أهدافه، متّسقاً في ذلك مع التيار المتشدد داخل إيران نفسها، بما يوحي بذلك المشترك بينه وبين ذلك التيار.

لم تضع الرياض حزب الله على قائمة الإرهاب - حتى الآن - رغم الاتهامات الصريحة للحزب بالتورط في نشاطات عسكرية في اليمن هدفها إيذاء السعودية والتعرض لمصالحها. ربما أن الرياض لا تريد في ذلك قتل الناطور بل أكل العنب، بل تأمل من خلال الضغط إنتاج مراجعة داخلية لبنانية تضبط الحزب ضمن الشروط اللبنانية التي تتناقض مع تلك الإيرانية. لكن في الأمر سريالية متفائلة، ذلك أن الحزب يوالي الوليّ الفقيه حسب ما انفك يرددُ أمينه العام، وهو يختار إيران ضد الإجماع العربي وفق ما ذكره وزير للحزب في الحكومة اللبنانية، على ما كشف وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق مؤخراً. بيد أن إعلان السعودية حزب الله فصيلاً إرهابياً سيخرج أصدقاءها في لبنان من الحكومة، وبالتالي يقضي على آخر مؤسسة دستورية شبه فاعلة، في وقت تعذّر به انتخاب رئيس للجمهورية، فيما البرلمان مشلولُ الحركة بسبب غياب هذا الرئيس.

لا بد أن حزب الله قد لاحظ أن توتراً أصاب البلد جراء الحدث السعودي الجديد، ولا بد أنه لاحظ ارتفاع لهجة خصومه دفاعاً عن موقف الرياض، كما لاحظ تحفّظ بعض حلفائه، لا سيما الجنرال ميشال عون، الذي يحاول تدوير الزوايا والنأي بالنفس عن هذا السجال، مع إمكانية أن يدفع وزيره جبران باسيل ثمن رأب الصدع مع الرياض. ولا شك أن الأنباء التي تحدثت عن أن وفد الحزب الذي زار القاهرة معزياً بالصحافي الراحل محمد حسنين هيكل، قد تحرى وساطة مصرية تخففُ ضغوط الرياض، يعكس توقاً لدى الحزب للتعامل الجدي مع الواقعة، وعدم استسهال مفاعيلها.

على أية حال فإن حزب الله يرى في الفعل السعودي تكاملاً مع ذلك الذي يُعدُّ في سوريا منذ اعلان الهدنة. فما تعبيرات دمشق وإرسالها لمستشارة الأسد إلى موسكو، كما تعبيرات طهران وجهود موسكو لطمأنتها، إلا وجوه للقلق الذي يعتري العاصمتين من مغبة "تواطؤ" موسكو وواشنطن على فرض وقف لإطلاق النار (تمّ التنسيق بشأنه في اتصال الرئيس بوتين بالملك سلمان) دون أن تتضح صورة المستقبل السياسي السوري المقبل. ولئن منّ بشار الأسد النفس بديمومة تفرضها النيران الروسية فراح يبشّر بانتخابات برلمانية في إبريل المقبل، فإن ما صدر عن منابر روسية متعددة مؤخراً يؤكد أن القرار الروسي بات كلياً في الكرملين ولا مجال لمناورات بيتية في الأروقة الدمشقية. هذا أيضاً ما لاحظته طهران، التي تسحبُ جنودها (دون مقاتلي الحزب)، حسب ما أعلن جون كيري شريك محمد جواد ظريف في تدبيج الإتفاق النووي، بما يعكس إدراكاً إيرانياً لقواعد اللعبة الجديدة في سوريا.

يراقب حزب الله بقلق تفاصيل ويوميات الحدث السوري ويتأمل بحيرة هذا الصمت المريب للجبهات. ويفهم الحزب الحملة السعودية من هذا المنظار المتّصل بمزاج دولي عام يقول:.Game over

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
بارزاني ينتج ببراعة أمصالا مضادة لاستقلال دولته؟
2017-09-22
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
سوريا: هل تحتاج التسوية إلى حرب تشنها إسرائيل؟
2017-09-08
مفاجأة واشنطن: ترامب ينقلب على باكستان!
2017-08-25
مفاجآت الأعرجي...
2017-08-18
وزراء لبنان في دمشق: مآلات العهد
2017-08-14
سكون الحريري وضجيج هيلي
2017-08-11
سوريا: هل تعدّ الرياض المعارضة لمقاربة الحل الروسي
2017-08-07
المزيد

 
>>