First Published: 2016-03-03

الخوف على السلطة الفلسطينية من السلطة الفلسطينية

 

من الضروري عدم الخلط بين ممارسات المحاسبة الديمقراطية والصراعات التي تنتج عن عدم التوافق داخل فتح.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

في مناطق السلطة الفلسطينية تجري أمور لا تخضع لعلم السياسة ولا للواقعية السياسية ولا للأخلاق السياسية، ولا نرى أنها تخدم المصلحة الوطنية بأي شكل من الأشكال. هذه الأمور والممارسات تسيء إلى المشهد الفلسطيني العام وحالة الصمود الشعبي في وجه الاحتلال وخصوصا الهبة المتواصلة منذ أشهر، وهي أمور كان من الممكن تجنبها بقليل من الحكمة المشفوعة بقوة القانون وبقوة الانتماء الوطني.

ما يجري في مناطق الدولة الفلسطينية المنشودة من أحداث أمر يستحق الوقوف عندها والبحث في أبعادها ومراميها، ولا نقصد هنا الاحتلال وممارساته ولا الانقسام وتداعياته بالرغم من أنهما أساس وأس مصائبنا ومصدر الخطر على السلطة كسلطة وطنية تؤسِس لدولة مستقلة، بل نقصد ممارسات من داخل السلطة الوطنية ومن الذين ينتسبون لها، وسواء كانت هذه الممارسات مقصودة أو غير مقصودة فهي تؤدي لإلهاء الشعب الفلسطيني وتشويه مؤسساته الشرعية وإضعاف جبهته الداخلية في مواجهة التحدي والعدو الرئيس الاحتلال. هذه الممارسات تخدم مصالح أشخاص يريدون أن يُقنعوا الشعب بأن سياساتهم تصب في خدمة المشروع الوطني أو هي المشروع الوطني، وأن مصالحهم هي المصلحة الوطنية أو تخدمها.

ما نعنيه ها هنا المواجهات والصدامات بين مثقفين وسياسيين ونقابيين ممن ينتمون للمشروع الوطني أو على الأقل ليسوا من المعسكر المناهض علنا لوجود السلطة من حيث المبدأ جانب، والسلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية من جانب آخر. ونتحدث تحديدا عن السلطة في الضفة الغربية لأنها تمثل نموذجا لـ "الحكم الوطني" في مقابل السلطة في قطاع غزة والتي تمثل نموذج الحكم "الإسلامي". واهتمامنا بما يجري في مناطق السلطة في الضفة لأن واقع السلطة الوطنية اليوم يشكل مؤشرا على نموذج الحكم في الدولة المستقبلية.

ندرك جيدا صعوبة وكثرة التحديات التي تواجه السلطة الوطنية وأجهزتها الأمنية وهي تسعى جاهدة لحفظ الاستقرار والأمن وبناء ما يمكن من مؤسسات تُسَيِّر الأمور الحياتية للناس فيما تحت ولايتها من أراضي وفي حدود ما تسمح به الاتفاقات الموقعة وجيش الاحتلال، وندرك ونؤكد على أن أفراد الأجهزة الأمنية وطنيون ومن أبناء الشعب وكثيرون منهم كانت لهم تجربة نضالية سابقة لوجود السلطة وآخرون شاركوا في انتفاضة النفق، وبالتالي لا يجوز لأحد أن يشكك بوطنيتهم على العموم.

لكن من حق الجميع انتقاد السلطة وسلوك الأجهزة الأمنية إن تجاوز بعض منتسبيها القانون أو التبست تصريحات أحد قادتها مما يثير غضب البعض. الانتقادات حتى وإن كانت قاسية يمكن فهمها وتبريرها بسبب التباس المرحلة وهو التباس يؤدي لالتباس دور السلطة والأجهزة الأمنية، وهي انتقادات مقبولة ما دامت لا تشكك بمبدأ وجود سلطة فلسطينية أو بوطنية أفراد الاجهزة الامنية.

كل ما يجري من مواجهات وتعقيدات في العلاقة ما بين مكونات النظام السياسي بعضها مع بعض، ومعها مجتمعة مع الشعب، سببها الالتباس في وظيفة ودور السلطة، ففي مفارقة غير مسبوقة في التاريخ تجري عملية تحويل حركة تحرير وطني إلى سلطة وحكومة في ظل الاحتلال. هذا الأمر وضع السلطة – حركة فتح ومنظمة التحرير - والشعب الفلسطيني أمام تحد كبير وهو التوفيق ما بين: استحقاقات التحرير الوطني وعلى رأسها مقاومة الاحتلال، واستحقاقات الديمقراطية وأهمها انقسام المجتمع ما بين سلطة ومعارضة والصراع على السلطة، واستحقاقات اتفاقات تسوية متعثرة تفرض الالتزام باتفاقية أوسلو ولواحقها وخصوصا التنسيق الأمني.

السلطة نفسها تعترف بأن الشعب الفلسطيني ما زال يعيش تحت الاحتلال والمعركة مع الاحتلال لم تنتهِ أو تتوقف، وهي ليست معركة السلطة والأجهزة الأمنية فقط بل معركة كل الشعب، ولا نقصد بالمواجهة هنا مواجهة الاحتلال عسكريا فقط – مع أن هذا حق لا يَسقط وإن كان يجوز تكييفه بما يتناسب مع ظروف المرحلة - بل مواجهة ومعركة يوظِف فيها الشعب كل ما يستطيع وبكل الوسائل السلمية وفي إطار القانون، لمواجهة الاحتلال وعربدة المستوطنين وللحفاظ على الهوية والثقافة الوطنية ولمواجهة الفساد والفاسدين ولضمان الشفافية والنزاهة في عمل مؤسسات السلطة.

أيضا السلطة ارتضت منذ قيامها أن تكون الديمقراطية المبدأ والأساس الذي يحكم علاقتها بالشعب ورفعت شعار دولة المؤسسات والقانون -مع أننا عبرنا عن تخوفاتنا منذ بداية تأسيس السلطة من الانزلاق نحو ديمقراطية شكلية ستُغير من طبيعة الصراع في فلسطين وستثير الفتنة – وبالتالي عليها الالتزام بقواعد واستحقاقات العمل الديمقراطي، حيث لا يجوز أن تؤسِس السلطة الفلسطينية قانون أساسي يؤكد على الحريات العامة وأن تسمح بوجود مجلس تشريعي ونقابات الخ ثم تشكك بشرعية هذه الجهات أو تحد من حق أعضائها ممارسة مهامهم في الدفاع عن مصالح الشعب.

في مقابل ذلك ندرك جيدا تداعيات الانقسام كما ندرك أن أعضاء التشريعي والنقابات وغيرهم ليسوا ملائكة أو منزهين عن الخطأ أو الشطط في الأحكام لاعتبارات شخصية أو فئوية، ومع ذلك يُفترض بالسلطة الفلسطينية، أن تتعامل مع من يعارضها بقلب مفتوح ورحابة صدر بحيث تجمع الشعب من حولها ولا تبعدهم عنها، تنظر في الشكاوى والانتقادات من منطلق المسؤولية والحرص على الإصلاح والتقويم، والأهم من ذلك أن لا تعتبر كل من يخالفها الرأي أو ينتقد هذا السلوك المعوج أو ذلك أنه عدو لها وللوطن أو يعمل لصالح أجندات معادية، فالسلطة أيضا ليست عالما من الملائكة.

سلسلة الإضرابات وآخرها إضراب المعلمين، اعتقال واستدعاء نقابيين وأكاديميين وصحفيين ومثقفين ومواطنين عاديين على خلفية حرية الرأي والتعبير، الاعتداء على مسيرات سلمية، تضارب وتداخل في الصلاحيات بين بعض مؤسسات السلطة وعدم وضوح المرجعية لمؤسسات أخري الخ، كلها أمور تثير قلق الوطنيين الغيورين على المشروع الوطني الفلسطيني.

في هذا السياق تأتي قضية النائب في التشريعي نجاة أبو بكر لتثير قضية أكبر من حيثيات واقعة اتهام نائب لوزير. ففي الوضع الطبيعي وفي كل دول العالم الديمقراطية، أو التي تريد أن تظهر بمظهر النظام الديمقراطي، فإن من أولويات عمل النواب مراقبة عمل السلطة التنفيذية، لأنهم نواب عن الشعب للدفاع عن مصالحه وحمايتها ومنع تغول السلطة التنفيذية وتجاوزها للدستور، بالإضافة إلى مهمة التشريع.

إذن من الطبيعي أن تنتقد وتتهم النائب نجاة أبو بكر احد الوزراء باستغلال النفوذ فهذا أمر طبيعي، والأمر غير الطبيعي حالة الصمت والغياب لـ 45 نائبا فتحاويا يتقاضون رواتب نواب ويتمتعون بامتيازات النواب دون أن يمارسوا واجباتهم النيابية وحتى السياسية الوطنية، إلا قلة لا تزيد عن عدد اصابع اليد نسمع صوتهم بين الفينة والأخرى.

كنا نتمنى لو أن النائب أبو بكر كانت متمكنة ومتأكدة مما تقول من اتهام حتى يأخذ القانون مجراه وحتى لا يؤدي عدم دقة المعلومات التي يقوم عليها الاتهام إلى تمييع القضية أو حرف القضية عن مجراها وسياقها، ولكن هل كان الأمر يستدعي وصول الأمر إلى ما وصل إليه من صدور قرار من النيابة العامة باستدعاء وجلب النائب وأن تعتصم النائب أبو بكر في المجلس التشريعي وتتصاعد الاتهامات والتهديدات من الطرفين؟ وخصوصا أن النائب أبو بكر من حركة فتح والوزير المتَهَم من حركة فتح أيضا، وهو الأمر الذي يثير تساؤلات حول واقع حركة فتح التي ينعقد عليها الرهان لاستنهاض الحالة الوطنية، وهل أن المسألة تتعلق فقط باتهام النائب للوزير؟ أم أن اتهام الوزير كانت القشة التي قصمت ظهر البعير أو القطرة التي أفاضت الكأس؟

قضية النائب أبو بكر وغيرها من القضايا المُشار إليها أعلاه لا تندرج فقط في سياق الممارسة الديمقراطية كما يبدو في الظاهر، بل في سياقات أخرى متعددة، منها الصراعات داخل تنظيم حركة فتح والموقف من السلطة، والأخطر من ذلك إنها تندرج في سياق استراتيجية الإلهاء، إلهاء شعبنا في الضفة من خلال افتعال مشاكل وصراعات داخلية، وإلهاء أهلنا في قطاع غزة بالحصار ومشاكل الكهرباء والغاز والرواتب، حتى لا يتفرغ شعبنا لمواجهة الاحتلال العدو الحقيقي. إن كان البعض في إسرائيل يهدد ويحذر من انهيار وشيك للسلطة، وإن كانت القيادة الفلسطينية ترى في وجود السلطة مصلحة وطنية، فإن الخشية على السلطة لا تأتي من إسرائيل ومن دول إقليمية ذات أجندات خاصة فقط بل ومن داخل المنتمين للسلطة.

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
ترامب يحصد نتائج ما زرعه أوباما
2017-05-22
مخاض الانتقال من الانقسام إلى الانفصال
2017-05-19
الاحتلال بدأ مع نكبة 48 وليس مع نكسة 67
2017-05-14
حركة حماس ومشروع 'غزة أولا'
2017-05-09
وثيقة حماس: خطوة إيجابية تحتاج لإثبات جدارة وطنية
2017-05-05
المثقفون والمبدعون لا يتقاعدون
2017-04-24
ما زال في الإمكان تدارك الأمر
2017-04-20
الموضوع أكبر واخطر من مسالة رواتب
2017-04-09
قرارات قمة عمان تُخفي أكثر مما تفصح
2017-04-04
مثقفون غير مثقفين: مثقفو الشتائم والإحباط
2017-03-19
المزيد

 
>>