First Published: 2016-03-08

التضليل في خطاب الحرب على غزة

 

العلاقة ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين يحكمها مبدأ الحرب والصراع ما دامت عملية السلام والتسوية فاشلة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. إبراهيم أبراش

ضمن سياسة التضليل وكي الوعي يجري الحديث بين الفينة والأخرى، كما هو حادث هذه الأيام، عن حرب قادمة على قطاع غزة مشفوعا بتهويل لقدرات المقاومة في غزة. مَن استعمل لأول مرة مصطلح الحرب على غزة ومَن يتحدثون اليوم عن احتمال اندلاع حرب على غزة يشاركون، بوعي من بعضهم وبدون وعي من آخرين، في تشويه الحقائق، ذلك أن التخويف من حرب قادمة على غزة فيه قدر كبير من التضليل لأن حالة الحرب قائمة بالفعل على غزة وعلى كل الشعب الفلسطيني.

خطورة وتضليل خطاب الحرب على غزة تكمن في الأمور التالية:

1- تجاهل أو جهل لحقيقة العدو الذي نواجهه وتجاهل لطبيعة الصراع معه. الحرب في العقيدة اليهودية والصهيونية والإسرائيلية ليس حدثا طارئا، كما أن طبيعة المجتمع الإسرائيلي تحتاج لوجود عدو خارجي. هكذا كانت الحرب في العقيدة اليهودية والصهيونية وهكذا هي اليوم مع كل قادة إسرائيل.

2- مادامت إسرائيل تقول إنها لم تستكمل مشروعها الصهيوني فمن البديهي أن تتصرف كدولة حرب ومجتمع حرب، ففي أكتوبر الماضي وفي جلسة للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست في ذكرى مقتل رابين قال نتنياهو "يجب علينا أن نسيطر على كامل الأراضي وأن نستمر بهذه السيطرة على المدى المنظور"، وقال أيضا مخاطبا المعارضة "وتسألونني اذا ما كنا سنعيش على حد السيف الى الابد وأنا اقول لكم نعم."

3- أيضا بالنسبة للفلسطينيين ضحايا الحرب العدوانية الإسرائيلية. فبما أنهم لم يؤسسوا دولتهم وما دام السلام لم يستقر فإن المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده هي مرحلة التحرير الوطني، وحالة التحرير الوطني أو مقاومة الاحتلال حالة حرب مفتوحة ومشروعة، ونشير هنا إلى أن كل الأحزاب الفلسطينية تحمل أسماء حربية كالجهاد والمقاومة والتحرير والنضال والكتائب الخ.

4- العلاقة ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين يحكمها مبدأ الحرب والصراع ما دامت عملية السلام والتسوية فاشلة. حتى وجود هدنة ما بين إسرائيل وحركات المقاومة في قطاع غزة وتحوُّل المقاومة في قطاع غزة إلى مقاومة دفاعية عن القطاع، هذا لا يعني نهاية الصراع أو الحرب بل وقف المواجهات العسكرية المباشرة مؤقتا، لأن حماس ليست الكل الفلسطيني، والصراع والحرب ليسا فقط تحريك الدبابات والطائرات بل لهما وجوه متعددة.

5- الحصار والحرب الاقتصادية والنفسية التي تدمر المجتمع الفلسطيني والمشروع الوطني لا تقل خطورة عن المعارك العسكرية.

6- ما يجري في الضفة حرب أكثر خطورة وشراسة من العدوان العسكري على غزة، فالجيش الإسرائيلي في الضفة يحتل الأرض ويُمارِس الاستيطان ويحمي المستوطنين الخ، وبالتالي يحقق نتائج أكثر استراتيجية لإسرائيل مما لو حدثت مواجهة عسكرية مباشرة مع الفلسطينيين، ومع ذالك لا يسمون ما يجري في الضفة حربا!

7- تجاهل بأن قطاع غزة مثله مثل الضفة والقدس أراضي محتلة، والاحتلال يتضمن حالة حرب بل هو حالة حرب مستمرة، وننبه هنا إن مصطلح الحرب على قطاع غزة لم يتم استعماله إلا بعد الانقسام وسيطرة حركة حماس على القطاع وبداية الحديث عن "دولة غزة" وكانت قناة الجزيرة القطرية أول من استعمل هذا المصطلح، وقبل ذلك كان يستعمل مصطلح العدوان.

8- من يستمع لهذا الخطاب يعتقد أن قطاع غزة منطقة محررة وكيان مستقل وبالتالي فإن الحرب تهدد استقلالها.

في ظل غياب السلام والتسوية العادلة فستستمر الحرب المفتوحة بين الفلسطينيين والإسرائيليين وستكون ذات أبعاد حضارية ووجودية وليست من نوع الحروب التي تكون نتيجتها صفرية بحيث تنتهي بانتصار ساحق لطرف على الطرف الثاني. وعليه، وفي حالة قيام إسرائيل بعدوان عسكري على قطاع غزة كما جرى خلال جولات العدوان السابقة فسيكون جولة من جولات الحرب المعممة والصراع المفتوح لتحقيق الأهداف التالية أو بعضها: ردع المقاومة واستنزاف قدراتها العسكرية وإبقائها في حالة دفاع عن النفس، تحسين شروط المفاوضات غير المباشرة مع حماس الخاصة بالهدنة والميناء وتكريس الانقسام، إخفاء الحرب الحقيقة في الضفة والقدس، ولاعتبارات إسرائيلية داخلية كما أشرنا اعلاه.

إذا كانت فصائل المقاومة أو بعضها في قطاع غزة هي المحرك لبعض حالات العدوان الإسرائيلي السابقة لاعتبارات داخلية أو لها علاقة بأجندات خارجية معنية بتصعيد الجبهة الفلسطينية، فإن أي عدوان قادم على القطاع سيكون بمبادرة إسرائيلية ولأهداف إسرائيلية خالصة.

في ظل الانقسام وغياب استراتيجية وحدة وطنية فإن أية مواجهة عسكرية قادمة في وعلى قطاع غزة لن تجلب للفلسطينيين بشكل عام ولأهالي غزة خصوصا إلا مزيد من الخراب والدمار. هذا إن لم تسعى إسرائيل من خلال عدوانها إلى تغيير الوضع القائم في قطاع غزة، إما في إطار استراتيجية جديدة لعلاقاتها مع السلطة إن نجحت المساعي لتسوية جديدة، أو في إطار تعزيز صناعة دولة غزة وتهيئة الظروف النفسية للقبول بالمخطط الذي ترعاه تركيا وقطر لتثبيت هدنة طويلة المدى مع قطاع غزة، ذلك أن الحرب عمل سياسي ولكن بوسائل عنيفة.

 

د. إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر – غزة

Ibrahemibrach1@gmail.com

 
د. إبراهيم أبراش
 
أرشيف الكاتب
المثقفون والمبدعون لا يتقاعدون
2017-04-24
ما زال في الإمكان تدارك الأمر
2017-04-20
الموضوع أكبر واخطر من مسالة رواتب
2017-04-09
قرارات قمة عمان تُخفي أكثر مما تفصح
2017-04-04
مثقفون غير مثقفين: مثقفو الشتائم والإحباط
2017-03-19
الهروب نحو الحل الإقليمي لن يحل المشكلة
2017-03-09
في خفايا العلاقات المصرية الفلسطينية
2017-03-03
الدولة الفلسطينية ليست منة أو منحة من أحد
2017-02-18
تهافت مقولة عبقرية اليهود والغرب وتخلف العرب
2017-02-14
تصفية مرحلة التحرر الوطني قبل إنهاء الاحتلال
2017-02-07
المزيد

 
>>