First Published: 2016-03-09

ليس مقتدى هو الحل ولكنه

 

الخطاب الشعبوي للصدر يمكن ان يستقطب ملايين الفقراء على عكس المشروعات المالية السياسية التي يتبناها منافسوه، فتلك تنفرهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

إذا لم يكونوا قد انتهوا إلى أن يسخر بعضهم من البعض الآخر فمن المؤكد أن زعماء التحالف الوطني (مجموعة الأحزاب الشيعية) الحاكم في العراق قد شعروا بحماقة ما اقدموا عليه حين اجتمعوا برجل الدين الشاب مقتدى الصدر.

لم يكن ذلك الاجتماع ضروريا لكي يتعرفوا على عمق الهوة النفسية والسياسية والمادية التي تفصل بينهم وبينه. فالرجل الذي بقي محاصرا على المستوى السياسي من قبلهم بالرغم من شعبيته اللافتة هو ليس من طينتهم.

فلا هو مقرب من المرجعية الدينية كما هو وضعهم، حسب ادعاء البعض منهم. ولا ايران وهي التي تملي عليهم تعليماتها من خلال قاسم سليماني فهي لا تثق به مثلما تثق بهم، بالرغم من أنها (أي ايران) تنظر إليه بحذر يفتقدون إليه.

لم يكن سياسيو الاحزاب الشيعية يرغبون في النظر إلى مقتدى الصدر بإعتباره الرقم الصعب في المعادلة الشيعية المتهالكة. يكفي أن نتذكر أن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي كان قد رفض في أحد لقاءاته التلفزيونية التعليق على تصرفات الصدر بإعتبارها نوعا من السلوك الصبياني الذي لا يليق برجل (يفهم في السياسة) مثله أن ينزلق إليه.

غير أن ابعاد مقتدى وتياره من العملية السياسية لم يكن بالامر اليسير. فالرجل الذي ورث من والده سلطة معنوية على ملايين الفقراء لم يمتلك ثقلا في الحياة السياسية لعراق ما بعد الاحتلال بسبب عدد النواب والوزراء التابعين لكتلته، بل بسبب خطابه الشعبوي الذي يعرف من خلاله كيف يمزج ببين الدين والسياسة، من غير أن يكون ذلك المزج محاولة لتقييد الارادة في التغيير والتسليم بالقدر.

على طريقته كان الصدر ثوريا، بالمعنى الذي تنطوي عليه رغبته في إحداث التغيير. وهو معنى غامض يستلهم تأثيره المباشر من كلام عمومي عن المظلومية.

ولأن "المظلومية" قد استعملت من قبل الاحزاب الشيعية في تزييت آلة الفساد التي أحلت ثنائية "الحلال والحرام" المرتبطة بفتاوى ملفقة محل القانون بثنائيته (الممنوع والمسموح، القانوني وغير القانوني) فإن التستر خلفها يستدعي الكثير من الشكوك.

وبعيدا عن ذلك الشعار الذي هو حمال أوجه كما اتضح من خلال عشر سنوات، تصدر فيها رجال الدين وزعماء الاحزاب الدينية لائحة الفاسدين في البلاد، فإن أية شبهة فساد لم تحم حول مقتدى الصدر.

الصدر بعكس عدوه اللدود عمار الحكيم الذي يتزعم كتلة سياسية وله هو الآخر نواب ووزراء في الحكومة لم يقم في بيت مغتصب ولا استولى على أراض ليقيم عليها أسواقا وفنادق ولم ينشئ شركة طيران ويضع مطارا في خدمتها ولم يوزع مناصروه الاموال والسندات تزامنا مع الانتخابات.

كل هذه الصفات نأت بالصدر بعيدا عن شائعات الفساد واخبار الصفقات. غير أنها وضعته في الوقت نفسه على طرف نقيض من كل زعماء الكتل السياسية.

عزلة الصدر السياسية لم تضعف مكانته الشعبية. وهنا أكاد أجزم أنه الوحيد من بين مدبري العمل السياسي في العراق الذي في إمكانه أن يدعو جماهيره إلى التظاهر فتخرج مئات الالوف إلى الشوارع تلبية لدعوته بعفوية مطلقة.

وهو ما يخيف الاحزاب الشيعية الحاكمة في العراق ومن خلفها ايران.

الرجل الذي منع رفع شعارات دينية أو صورا لرموز دينية أثناء التظاهر كان أكثر ذكاء مما يظن خصومه. فعن طريق ذلك المنع، وهو ما لا يجرؤ على القيام به الطائفيون نجح الصدر في استقطاب شرائح مهمة من دعاة بناء الدولة المدنية الذين سبق لهم أن جربوا التظاهر لسنوات، من غير أن تحدث تظاهراتهم أي أثر يُذكر لدى الساسة الذين افقدتهم تظاهرات الصدر رشدهم.

ما يقع اليوم في العراق حدث مفصلي في حقبة ما بعد الاحتلال.

ولا أظن أن خلو جعبة مقتدى الصدر من مشروع سياسي وطني يكون بديلا للمشروع السياسي الطائفي سيكون مصدرا للإحباط. ذلك لأن هزيمة الاحزاب الدينية التي تتقاسم السلطة والثروات سيكون مقدمة مناسبة للتحول في اتجاه دولة مدنية، سيتم ضبط ايقاعها من قبل السفارة الاميركية في بغداد.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
نزع سلاح حزب الله مسؤولية دولية
2017-05-14
المزيد

 
>>