First Published: 2016-03-12

الفيدرالية على طريقتنا

 

العراق الفيدرالي هو مجموعة متلاصقة من الاقطاعيات. السوريون صاروا من هواة التقليد.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

كلما انهارت دولة من دولنا وضع الآخرون خيار الفيدرالية حلا جاهزا على الطاولة.

العراق مثلا وبعد أن حطم الاحتلال الأميركي دولته وحل جيشه صار بلدا فيدراليا. رجال الدين فيه لا يكرهون الفيدرالية بقدر ما يكرهون المواطنة.

المواطنة وحدها اختراع غربي.

لم يعد الكلام عن حكومة مركزية في بغداد واردا. صارت الحكومة في الادبيات المتداولة اتحادية. ما يعني أن تلك الحكومة تمثل الاجزاء التي اتحدت في ما بينها لتشكل دولة العراق.

وهو اعتراف صريح من قبل ساسة العراق بأن دولة العراق لم تكن موجودة قبل أن يعبر الاكراد عن رضاهم بالانضمام الطوعي للدولة التي ولدت بعد 2003. كما لو أن الجزء الشمالي من العراق الذي يُسمى اليوم كردستان لم يكن جزءا من العراق التاريخي ولا خضع يوما لحكومة بغداد.

اما شعب الدولة الفيدرالية فهو عبارة عن مكونات، يشكل ارتباطها بالدولة الاتحادية قاسما مشتركا وحيدا. لقد ضُربت عرض الحائط القواسم المشتركة بين أبناء الشعب العراقي الذي جمعته الديكتاتورية (حسب نظرية الفيدرالية) في سلة، تبين في ما بعد أنها كانت مثقوبة.

تبني مبدأ الفيدرالية يقوم على اساس إنكار كل ما سبقها.

لا تاريخ ولا لغة ولا اسلوب عيش ولا تعليم ولا دين ولا خدمة عسكرية الزامية ولا أغان ولا عاطفة ولا تصاهر ولا أسواق ولا دور عبادة ولا مسارح ولا أدب ولا وظائف عامة ولا سجون ولا خدمات ولا سعادات عابرة ولا غزل شقي.

فجاة اكتشف الآخرون أن العراق مريض والفيدرالية هي دواؤه.

طبعا فيدرالية العراق لم تنتقل به إلى مصاف بلدان مثل سويسرا أو المانيا أو ايطاليا أو بريطانيا وسواها من الدول التي تم توحيد اجزائها بالقوة أو عن طريق الاقتراع الديمقراطي.

ما فعلته الفيدرالية بالعراق أنها وزعته حصصا بين الاحزاب الدينية. لكل حزب محافظاته التي ينتفع بثرواتها أو بحصتها من ثروة البلاد.

العراق الفيدرالي هو مجموعة متلاصقة من الاقطاعيات.

هناك اقطاعية لآل الحكيم واقطاعية لقبيلة برزان واقطاعية للصدر واقطاعية للمالكي، إلى آخره من الاقطاعيات التي صارت ملكا شخصيا صرفا.

النظام اللامركزي في العراق هو نموذج يمكن تعميمه بيسر على البلدان العربية التي زالت دولها أو هي في طريقها إلى الزوال. فهو يستلهم روح الاقطاع القديم بمباركة رجال الدين المسنودين بقوة الجهل الذي اجتاح المجتمع.

كانت الفيدرالية في العراق مناسبة للقيام بعمليات التطهير الطائفي والعرقي التي كان الهدف منها انشاء محميات طائفية وعرقية، هي ضمانة أكيدة لعدم استعادة العراق قدرته على أن يكون وطنا للجميع.

وكما ارى فإن الناشطين السوريين في مجال الفدرلة لا يقلون شرا عن الناشطين العراقيين. فسوريا التي محقتها الحرب مسخا لم يبق من علاج لها من وجهة نظرهم سوى الفيدرالية. كما لو أن الثورة السورية قامت لان الأقليات تعاني من التهميش أو لأن قبضة دمشق القوية كانت قد حرمت سكان المدن الآخرى من حقوقهم المدنية.

وكما أرى فإن الحاق سوريا بالعراق عن طريق عن طريق الفدرلة انما يُراد منه وضعها على طريق اللاعودة الذي لا تنفع فيه أية محاولة للاصلاح. سيكون حينها "القلع" وهي المفردة التي استعملها مقتدى الصدر لوصف العلاج الناجع لمشكلات العراق هو الفعل الاضطراري الوحيد لإعادة الامور إلى نصابها. وهو فعل قد تكون نتائجه كارثية إذا ما كان السلاح متاحا لكل الاطراف مثلما هو الحال في العراق وسوريا.

ولأن اقرار النظام الفيدرالي يشكل واحدة من أهم الفقرات التي يسعى المجتمع الدولي إلى فرضها على سوريا فإن مستقبل سوريا، بغض النظر عمَن سيحكم في دمشق لن يكون أحسن حالا من حاضر العراق. سيدير البعض ظهره للبعض الآخر ولن يكون مستغربا إذا ما تساءل احدهم يومها "هل كانت سوريا موجودة؟"

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
متشددون في ضيافة الغرب
2017-03-28
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
المزيد

 
>>