First Published: 2016-03-13

حقنة أوسكار تعيد الحياة للصحافة الورقية

 

لا أحد يستطيع أن يضمن أن الصحافة محمية من صدمة تكنولوجيا المستقبل، لكن هذا لا يعني أن نختصر نهاية أزمة الصحافة الورقية في حصول فيلم سينمائي على جائزتي أوسكار.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

بدت ردود الفعل السعيدة على فوز فيلم “سبوت لايت” الذي كتبه وأخرجه توماس مكارثي عن قصة حقيقية من سيرة كادر قسم التحقيقات بصحيفة بوسطن غلوب، بجائزتي أوسكار أفضل فيلم وأفضل إخراج، بدت وكأنها أعادت الاعتبار للصحافة الورقية “هل فقدت مثل هذا الاعتبار؟”.

فقد شعر رئيس تحرير الصحيفة بريان ماكغوري مع هيئة التحرير وكأن كل واحد منهم ازداد طولا! “أستخدم مثل هذا التعبير في تصريحات صحافية بعد حفل الأوسكار”.

فيما قالت ساشا بلايفر التي شاركت في إعداد التحقيق المثير “مثلت دورها في الفيلم راكيل ماكادمز” “جائزة الأوسكار جاءت بالنسبة إلى الصحافة الورقية كحقنة تعيد لها الحياة”.

ويمكن إعادة نفس السؤال في الفقرة السابقة بطريقة “هل فقدت الصحافة الورقية الحياة أصلا؟”.

مع أن مثل هذا الأمر يغمر الصحافيين بالغبطة بلا شك، إلا أن الحصول على جائزة أوسكار ستعني الفيلم ومخرجه وكادر تمثيله وإنتاجه بلا شك أيضا، ولا تفتح طريقا جديدا أمام التفكير بواقع الصحافة الورقية ومستقبلها.

الفيلم كان باهرا، وعرض أجواء صحافية مثالية لفريق عمل متواجد منذ أوائل السبعينات من القرن الماضي في الصحيفة، لا يتدخل في مصهر التحرير الإخباري اليومي، بل يمضي أشهرا من أجل قصة إخبارية تهم مجتمع وسلطات مدينة بوسطن، بوصف الصحيفة أفضل ممثل محلي لتطلعات الناس.

وقصة الفيلم تدور عن كشف فساد داخل الكنيسة الكاثوليكية في بوسطن وعلاقات جنسية بين أساقفة وصبيان، مما دفع فريق العمل المكون من خمسة صحافيين إلى التوغل في المحاكم وأروقة المؤسسات الأرشيفية وإقناع المحامين بالتحدث وجلب الضحايا من الصبيان لسرد قصصهم مع الأساقفة المعتدين عليهم جنسيا.

كان عملا صحافيا يتطلب الصبر والأناة والإقناع من أجل الحصول على معلومة دقيقة عن تواطؤ الكنيسة مع الآثمين من الأساقفة.

حسنا، هذه مهمة طبيعية وشجاعة للصحافة تستحق الفخر، لكن هل جائزة الأوسكار منحت للصحافيين أم لمخرج وممثلين برعوا في تقمص الدور؟

الحديث الدائر عن بوسطن غلوب اليوم، يعني بالضرورة أن نتحدث هنا عن صحيفة تأسست عام 1872، وتوزع في عددها الأسبوعي ما يصل إلى 400 ألف نسخة، وسبق أن عدتها مجلة تايم بأنها واحدة من أفضل عشر صحف يومية أميركية ما بين عامي 1974 و1984.

لكنها أيضا تعاني أسوة بالصحف الأخرى ودخلت إلى “السوق الورقية المريضة” ولم تصل بعد إلى العناية المركزة، ولديها من القراء الأوفياء ومن العاملين فيها ما يجعلها تحتفظ بتاريخها.

فقد واجهت هذه الصحيفة قبل أسابيع إضراب عمال شركات التوزيع بتسلح محررين ومصممين ومنفذين ورسامين لتوزيع الصحيفة على المشتركين.

اضطر الصحافيون إلى ممارسة هذا العمل الشاق نسبيا بعد أن شعروا بأنهم على وشك فقدان قرائهم الأوفياء ما لم تصل الصحيفة إلى الآلاف من المشتركين.

الواقع ألا أحد يستطيع أن يضمن أن الصحافة محمية من صدمة تكنولوجيا المستقبل، لكن هذا لا يعني أن نختصر نهاية أزمة الصحافة الورقية بحصول فيلم سينمائي على جائزتي أوسكار، أو نظهر الأمر وكأنه بادرة لمستقبل مضمون وفق تصريحات متفائلة أكثر مما ينبغي، أو بتعبير مايك دارسي الرئيس التنفيذي لمجموعة تضم مؤسسات إعلامية في بريطانيا والولايات المتحدة، “إن ثمة جهدا ضائعا بذله العديد من مخططي وسائل الإعلام حول الإجابة عن أسئلة ضيقة تؤدي إلى كيفية معرفة تسييل المحتوى الرقمي، الأمر الذي أفقدهم المسار حول تأمين مستقبل مستدام على نطاق واسع”.

يمكن للصحافة المطبوعة أن تنمو بمستوى الصحافة الرقمية، عندما تكون ثمة أفكار لصناعة محتوى إخباري بالمستوى نفسه الذي برع فيه فريق “سبوت لايت” في بوسطن غلوب، الأمر الذي دفع السينمائيين إلى صناعة فيلم منه بهر لجنة تحكيم أعلى الجوائز السينمائية في العالم.

هذا التفاؤل يمثله ديفيد كاري الذي عمل رئيسا لمجموعة إعلامية وناشرا لمجلة “ذا نيويوركر”، بتساؤله “هل يمكن أن نرى نمو الصحافة الرقمية والمطبوعة في المستوى نفسه من حيث الأرباح؟”.

ويجيب: مع نمو الصحافة المطبوعة ببطء، واستمرار الصحافة الرقمية بنموها، الجواب هو نعم. في حين أنه يرفض التنبؤ بإطار زمني محدد لهذا التقاطع، إلا أنه يقول “نستطيع أن نرى المرحلة حيث تكون في المستوى نفسه من حيث مساهمة الأرباح”.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
المزيد

 
>>