First Published: 2016-03-15

ما الذي يوجع المستشارة الالمانية؟

 

'انتهت المهمة'. هكذا يقول الروس. ماذا سيقول الأوروبيون؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لم يقضوا لها مضجعا. المستشارة الألمانية كانت في انتظار لاجئينا. لم يكن لديها شيء تفعله سوى أن تحض على ايواء اللاجئيين بطريقة قانونية منظمة.

لذلك كانت هناك أقنان دجاج في اتنظار طالبي اللجوء السوريين. وكان ذلك موجعا لمَن تخيل أن الغرب سيكون سنده في اسقاط نظام الاسد. أو على الاقل مكانا للاسترخاء اللذيذ بعد رحلة شاقة، كان من المحتمل أن تنتهي غرقا.

لقد تبين أن ماما ميركل الواقعية ليست ماما تيريزا المتخيلة.

السوريون ليسوا شعبا ساذجا غير أنهم يصرون على لعب ذلك الدور انسجاما مع أجندة مشروع، يُراد من خلاله الانتقال بسوريا من بلد مواطنة إلى محطة استقبال لمواطنين سابقين، قيض لهم أن يكونوا مواطني دول آخرى.

اما مَن كتب عليه حتى وقت قريب أن يكون مواطنا مقيما في سوريا فإنه سيُحرم من شعوره بالمواطنة ليتحول إلى لاجئ، بالرغم من أن مواطنته تلك كانت من النوع المشكوك فيه على المستوى القانوني.

لقد بذل المجتمع الدولي جهودا عظيمة من أجل أن يُستدرج السوريون إلى مخيمات اللجوء، لتكون حكايات عذابهم دليلا موثقا لجرائم ووحشية النظام. فلن يكون حينها من الصعب اختزال المسالة كلها بمسؤولية النظام عما جرى. وهي مسؤولية لا يمكن انكارها، غير أنها ليست المسألة كلها ولن تكون كذلك.

اليوم بعد خمس سنوات من النزوح صار واضحا أن المزاج السياسي للنازحين ليس واحدا. فهم ليسوا أخوانيين بالكامل وليسوا علمانيين بالكامل. لا هم مع المعارضة بشكل مطلق ولا هم من شيعة السلطة المتضررين. إنهم بكل بساطة مجرد لاجئين، دفعهم خوفهم من أهوال الحرب إلى افراغ مدنهم لتحل غربان الحرب محلهم ولتذهب ذكرياتهم إلى عدم.

لعبت صورة ميركل المنقذة دورا مهما في تكريس فكرة الشعب الهائم الذي يبحث عن خلاصه. مَن ألقى اردوغان بهم في البحر كانت ميركل بالنسبة لهم قارب نجاة.

لم يكن واردا بالنسبة للبسطاء أن تكون موجات نزوحهم مجرد ورقة ضغط، يمكن الاستغناء عنها إذا تبين أنها لن تكون نافعة.

في أوقات سابقة استقبلت المانيا الاف اللاجئين بطريقة إنسانية لائقة. وهو ما كان يسمح لها وضعها بإعتبارها دولة لجوء. يومها كان استقبال طلبات اللجوء يجري في اطار قانوني، لا صلة له بالمزايدات السياسية.

اما حين فتحت أوروبا أبوابها بما وسعت وبتحريض مباشر من المستشارة الالمانية فإن ذلك الاطار القانوني لم يعد قائما. لقد أمسكت ميركل بالعصا لتلوح بها في وجه العالم، وكانت تظن أنها قد تمكنت أخيرا من أن تدير الحرب في سوريا بالطريقة التي تنسجم مع ضجيج الاليزيه الداعي إلى اسقاط بشار الاسد أولا.

غير أن ميركل وقد وضعت مسألة اللجوء خارج اطارها القانوني قاومت منتقدي سياستها بقوة الانتظار. وكما يبدو فإن انتظارها لم يثمر عن نتائج ايجابية، لذلك صار عليها اليوم أن تقنع الالمان بأن استضافتهم المؤقتة للهاربين من أهوال الحرب كانت نوعا من السلوك الاخلاقي الذي لن تقلل من قيمته اعادة أولئك الضيوف من حيث أتوا.

"انتهت المهمة" هذا ما قاله الرئيس الروسي بوتين حين أمر بسحب قواته من الاراضي الروسية في اشارة منه إلى أن الحرب انتهت. وكما أتوقع فإن ميركل كانت قد قالت لفريقها السياسي الجملة نفسها قبل أن ينطق بها بوتين.

لن يكون مناسبا أن نعتقد أن المانيا لم تكن مطلعة على سير المفاوضات الاميركية ــ الروسية في شأن سوريا. وهو ما يجعلني على يقين من أن المستشارة الالمانية كانت قد علقت النظر في مسألة ضيوفها السوريين حين أدركت أن الضغط باللاجئين ليس سوى ورقة خاسرة.

لقد توجعت ميركل كثيرا لمشاهد النازحين، اللاجئين إلى حضنها بحثا عن الدفء والحنان، غير أنني أشك أنها ستتوجع وهي تعيد عاثري الحظ إلى الأرض الخراب. هناك حيث لا أحد منهم يعثر على بيته أو يتعرف على أثر من مدينته.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الخوف من الوطن
2017-04-24
هل ستفلت إيران من عاصفة ترامب؟
2017-04-23
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
متى يلتفت العرب إلى أنفسهم؟
2017-04-16
زمن أولاد الشوارع
2017-04-15
حين يتاجر القتلة بالقتلى
2017-04-13
المزيد

 
>>