First Published: 2016-03-20

الجمهور يشاهد التلفزيون بغريزته

 

غالبية التلفزيونات إما أنها لا تشعر بالآم الناس أو تقدمها بعدسة منحازة، الجمهور صار يصرخ أمام الشاشات كي تكف عن بث التفاهات والخدمات الصحافية السياسية والدينية مدفوعة الثمن.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

اتخذ التلفزيون مقعدا خلفيا في الثورة الرقمية، لكنه بقي بهيئة لم تفقد رباطة الجأش أو الشعور بالتراجع كما حدث للصحافة الورقية مثلا.

قدرة التلفزيون على البقاء، تظهرها المحاولات التي تعلن عنها المنصات الرقمية في مسعى للاستحواذ على جمهوره بتطبيقات مغرية، لكنها بطريقة أو بأخرى تكون قد أسهمت في صعود التلفزيون نفسه.

ووسط تسارع الجدل بشأن إدامة مستقبل الصناعة البرامجية لهذا الجهاز، هنالك حقيقة واحدة غالبا ما يتم إغفالها أن معظم البرامج لا تزال تشاهد في بث حي ومباشر.

يقول نايجيل فالي العضو المنتدب في شركة “ديسايفر ميديا للبحوث” “فلسفة النظر للتلفزيون عادة ما تتوافق مع الكثير من الناس الذين يتناسب إيقاع القنوات التلفزيونية مع الطريقة التي يعيشون بها حياتهم”.

هذا يعني البرامج التي تتعلق بالأسرة قبل ذهاب الأطفال إلى النوم، ومن ثم مزيد من الأعمال الدرامية للكبار.

قبل سنوات أعتبر تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة آبل، التلفزيون واحدا من تلك الأشياء وثيقة الصلة بالناس، لو كنا حقا صادقين بالحديث عن اتخاذه المقعد الخلفي، لأصبح عالقا في زمن السبعينات.

بعد مرور عام من تصريح كوك، أطلقت شركة آبل حزمة من التطبيقات لبرامج التلفزيون، وأعلنت أن “مستقبل التلفزيون هو التطبيقات”.

بينما اتخذت شركات أخرى نهجا مشابها عن طريق إبعاد المشاهدين عن البرامج التلفزيونية الخطية، وتوجيههم نحو التطبيقات والمشاهدة عند الطلب.

إذن كيف يمكن للتلفزيون أن يكون أفضل، وهل لا تزال هنالك حياة في مواعيد برامج التلفزيون؟

الجمهور لا يشاهد التلفزيون بعيونه بل بغريزته، يكاد المشاهد يتصرف وكأنه شريك فعلي لما يبث إليه، وإذا كان الحوار سياسيا فإنه لا يتوقف عن مقاطعة المتكلمين وتسفيه كلامهم أو اتهام أحدهم بالجهل والكذب، وكأن المشاهد أحد المشاركين داخل أستوديو البث!

وإزاء ذلك ترى ليندسي كلاي، الرئيسة التنفيذية لرابطة شركات التلفزيون في بريطانيا، “لا يمكن إزعاج المشاهدين بأن تفرض عليهم قضاء ساعات في تنقيح المحتوى الخاص بهم، لأن البعض يفهم الطبيعة الإنسانية بشكل خاطئ”.

الصناعة التلفزيونية مطالبة اليوم بإنتاج الأفكار وليس تكرارها، الأفكار الجامدة لم تعد بديلا في زمن تلفزيوني باهر.

غالبية التلفزيونات إما أنها لا تشعر بالآم الناس أو تقدمها بعدسة منحازة، الجمهور صار يصرخ أمام الشاشات كي تكف عن بث التفاهات والخدمات الصحافية السياسية والدينية مدفوعة الثمن.

صار بمقدور الجمهور معرفة قائمة القنوات التي تعرض بيع القيم والضمير، بل إن أسعار القيم قد انحدرت مع الأزمات الاقتصادية والإفلاس اللذين تعاني منهما الدول وأصحاب المشاريع التجارية، وأصبح مثل هذا التلفزيون مثالا حيا على تراكم الأفكار التي أصابها الجمود.

كان يمكن أن يتراجع “التلفزيون السياسي” في زمن المواطن الصحافي كما تراجعت الصحافة المطبوعة، لكن مثل هذا الاحتمال صار غير متداول بقدر كبير، فتأثير الخطاب السياسي لم يخفت في التلفزيون، لذلك مازالت الحكومات تعوّل عليه بشكل أساسي، ومع دخول المالكين الجدد بما فيهم رجال الأعمال وأصحاب الثروات وحتى الهواة من سياسيي ورجال دين الزمن العربي الرث، فإن قيم مثل هذا الخطاب أصبحت معروضة للبيع والشراء، فالخدمات الإعلامية السياسية والقومية والطائفية التي تقدمها مثل هذه التلفزيونات أضرّت بفكرة التلفزيون نفسه، قبل أن تؤثر على ذهنية الجمهور.

مع كل ذلك وضع الجمهور طريقة جديدة لاختبار القنوات، هي ببساطة اختيار البديل المتاح، وهذا يفسر لنا المزاعم الوهمية والافتراضية أحيانا لبعض القنوات الكبرى في التباهي بتحديد عدد مشاهديها.

وهذا أيضا يفسر تصاعد التحذيرات اليوم حيال نية الحكومة التدخل في عمل هيئة الإذاعة البريطانية بوصفها “مؤسسة مستقلة”، فسبق أن دعت رونا فيرهيد رئيسة مجلس أمناء “بي بي سي”، السياسيين إلى إيقاف ممارسة الضغوط على الهيئة. وقالت إن مستقبل بي بي سي “يجب أن تحركه الأدلة والحقائق لا التحيّز ولا المصالح المكتسبة”.

ومثال بي بي سي لا يمكن أن ينطبق على بقية القنوات في العالم، على اعتبارها المؤسسة الوحيدة الممولة من قبل مشاهديها، مع أنه ينظر إليها بوصفها “يد بريطانيا الناعمة” وثمة قناة سرية تربطها بـ10 داوينغ ستريت.

إن الخطر القومي الذي كان يتم الحديث عنه في زمن إمبريالية البث التلفزيوني والحرب الباردة، اتخذ شكل الإزعاج والمتاجرة بالمشاعر والقيم في التلفزيونات اليوم، لكن من حسن الحظ أن الجمهور قد تغير ولم يعد بالإمكان تراجع أولوياته والعودة به إلى الوراء.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الغناء بوصفه حلا
2017-01-17
سلب السلطة من السلطة الرابعة
2017-01-15
هل حقا لا ينام ترامب؟
2017-01-10
كيف يدخل المعلنون إلى وعينا
2017-01-08
2016 أسقط نرجسية وسائل الإعلام
2017-01-03
ما معنى أن تكون الصحافة الحكومية ديمقراطية
2016-12-26
كوميديا الصعود السياسي
2016-12-20
الأخبار الزائفة تحرق الديمقراطية
2016-12-18
النساء بلا جاذبية
2016-12-13
إعادة الثقة المهتزة بوسائل الإعلام
2016-12-11
المزيد

 
>>