First Published: 2016-03-21

تركيا في مواجهة اللغم الكردي

 

الثابت ان تركيا في ازمة داخلية عميقة لم يستطع رجب طيب اردوغان الخروج منها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

تركت روسيا في سياق الاعلان عن سحب قسم من قواتها وطائراتها من الاراضي السورية الغاما كثيرة داخل البلد. في مقدّم هذه الالغام، يأتي اللغم الكردي، الذي يبدو واضحا انّ الكرملين يريد استخدامه في تصفية حساباته مع تركيا.

حقّقت روسيا بعض اهدافها. لم تستطع تحقيقها كلها، خصوصا بعدما اكتشفت عجز ما بقي من القوات التابعة للنظام عن الاستفادة من الغارات الجوية التي شنّتها القاذفات الروسية.

كان كلام الرئيس فلاديمير بوتين واضحا في هذا الشأن. لعلّ الجانب الاهم في كلامه ان بلاده قادرة على اعادة الطائرات التي سحبتها من الاراضي السورية "في غضون ساعات". هذا يدلّ على ان روسيا باتت تعتبر سوريا جزءا من مناطق نفوذها، بل ارضا روسية. كذلك، يدلّ على ان روسيا تعد نفسها لمتابعة مغامرتها السورية الى ما لا نهاية، ولكن من دون تورّط عسكري كبير، وذلك خشية تحوّل سوريا الى افغانستان اخرى.

من بين ابرز الاخفاقات الروسية في سوريا الفشل في تطويق حلب. كان مفترضا، في الحسابات الروسية، ان يكون هذا التطويق بديلا من السيطرة على الاحياء الداخلية للمدينة. كان مهمّا، بالنسبة الى روسيا، قطع طرق الامداد الذي يربط بين الاراضي التركية وحلب. لكن المعارضة السورية استطاعت، كما يبدو ابقاء خط التواصل مع تركيا قائما.

يفسّر غياب القدرة على تطويق حلب وعزلها اللجوء الروسي الى الورقة الكردية. ليس اعلان الاكراد عن اقامة كيان مستقل في الشمال السوري سوى اشارة الى ان هناك رغبة روسية في استفزاز تركيا الى ابعد حدود من جهة والاعلان عن وجود نيات واضحة تجاه مستقبل سوريا لدى الكرملين من جهة اخرى. لا استعداد روسيا للتخلي عن الورقة السورية بايّ شكل.

يطرح هذا الوضع الجديد، القائم على وجود مشروع لكيان كردي في الشمال السوري سؤالا بديهيا فحواه ما الذي تنوي تركيا عمله؟ هل ترضخ للاملاءات الروسية، التي تحظى في ما يبدو بغطاء اميركي. الملفت انّ الاعلان عن مشروع الكيان المستقل في شمال سوريا، جاء بعد سلسلة من العمليات الارهابية كان آخرها التفجيران اللذان استهدفا مدنيين في انقرة واسطنبول وذلك بعد مضي شهر من تفجير قافلة عسكرية في منطقة حساسة من العاصمة التركية. لم تتردد تركيا في اتهام الاكراد بالوقوف وراء موجة الارهاب الاخيرة.

تخشى تركيا الى حدّ كبير الورقة الكردية، خصوصا ان اكرادها يميلون ايضا الى الاستقلال. لعلّ اكثر ما تخشاه حقيقة هو ذلك التواطؤ الاميركي مع روسيا في شأن كلّ ما له علاقة بسوريا، بما في ذلك استخدام الورقة الكردية. تستخدم موسكو الورقة الكردية في ظلّ ادارة اميركية لا تمتلك اي استراتيجية في الشرق الاوسط. كلّ ما تريده هذه الادارة، التي لم يعد امامها سوى عشرة اشهر في البيت الابيض، استرضاء ايران وتفادي اي مواجهة من ايّ نوع مع الكرملين.

لدى التمعّن في ابعاد السياسة الروسية في سوريا، يتبيّن ان موسكو باتت تراهن على تقسيم البلد.

صار تقسيم سوريا او قيام نظام فيديرالي فيها سرّا معلنا. لم تعد هناك من قناعة روسية بإمكان بقاء سوريا موحّدة. هذه القناعة تجمع بين موسكو وطهران، وذلك على الرغم من المخاوف الايرانية من استخدام الورقة الكردية. ادّت المخاوف اخيرا الى تقارب تركي ـ ايراني عبّرت عنه زيارة رئيس الوزراء التركي احمد داود اوغلو لطهران اخيرا، ولكن من دون ان يعني ذلك وجود سياسة مشتركة للبلدين تجاه سوريا، خصوصا تجاه بقاء بشّار الاسد او رحيله.

لجأت روسيا الى الورقة الكردية بعد اكتشافها انّها لن تكون قادرة على متابعة حملتها العسكرية مهما تبجحت بقدراتها والعسكرية وانتصاراتها على شعب اعزل. تعرف روسيا في قرارة نفسها حجمها الحقيقي لانّ اقتصادها الهشّ لا يتحمّل بقاء سعر النفط والغاز على حالهما. تعرف ان بقاءها في سوريا بالطريقة التي كانت قائمة سيجعلها تدفع غاليا ثمن ما اقدمت عليه...

لعلّ اكثر ما تعرف روسيا انّه لا يمكن لأي مواطن سوري القبول باقلّ من رحيل بشّار الاسد الذي تبدو مهمّته محصورة بالانتهاء من الكيان السوري الذي عرفناه. الى ان يثبت العكس، لا يبدو ان هناك هدفا آخر لايران وروسيا غير تقسيم سوريا، على الرغم من التباين بينهما في شأن مستقبل بشّار الاسد... علما ان السؤال الكبير الذي سيبقى مطروحا هل لدى تركيا القدرة على التدخل؟

ربّما كان الاهمّ من القدرة التركية على التدخل عسكريا ضد الاكراد، الذين صاروا يشكلون بطريقة او باخرى منطقة عازلة بينها وبين قسم من الاراضي السورية، وجود رأي موحّد لديها في هذا الشأن. هذا الرأي الموحّد هو الذي ينقص تركيا ويحرمها، اقلّه حتّى الآن، من مقعد الى طاولة المفاوضات التي سيتقرّر فيها توزيع الحصص في سوريا مستقبلا. هل يمكن لتركيا، التي يتعمّق المأزق الذي وجدت نفسها فيه كلّ يوم، البقاء على هامش الحدث السوري الكبير وتفاعلاته المتوقّعة على الصعيد الاقليمي؟ هل يمكن ان يكون التفجيران اللذان وقعا في انقرة واسطنبول اخيرا فرصة لازالة تحفظات المؤسسة العسكرية عن عمل تركي ما في الداخل السوري؟

الثابت ان تركيا في ازمة داخلية عميقة لم يستطع رجب طيب اردوغان الخروج منها. تكمن مشكلة تركيا في ان الوقت لا يعمل لمصلحتها. كانت لدى اردوغان في مرحلة معيّنة اوهام كبيرة، هي اوهام الاخوان المسلمين حيثما حلّوا. تبجّح احمد داوود اوغلو، الذي كان وزيرا للخارجية، قبل ان يصبح رئيسا للوزراء، بانهّ صار يعرف سوريا عن ظهر قلب، خصوصا انّه جال في معظم انحاء البلد وكان يمضي عطلة نهاية الاسبوع في الاراضي السورية معظم الاحيان.

تبيّن ان تركيا اخطأت عندما اعتقدت ان سوريا ثمرة نضجت وانّ مسألة سقوطها مسألة وقت ليس الّا. سقط النظام. هذا صحيح. هذا النظام كان ساقطا اصلا نظرا الى انّه كان مخلوقا غير طبيعي. ما فات تركيا، او على الاصحّ، ما فات اردوغان ان الاراضي السورية، خصوصا منطقة الساحل ذات اهمّية حيوية لروسيا، كما ان الاراضي القريبة من لبنان موضع اهتمام استثنائي لايران لاسباب مذهبية ولاسباب اخرى مرتبطة بـ"حزب الله".

اقلّ ما يمكن قوله ان الوضع التركي في سوريا لم يعد مريحا، خصوصا في ظل اللغم الكردي الذي زرعه الروس. هؤلاء يبدون على استعداد للذهاب بعيدا في الاستثمار في اللغم الكردي غياب شيء اسمه السياسة الاميركية في الشرق الاوسط.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
روسيا وسوريا والبناء على باطل
2018-01-21
ايران تتنافس مع ايران في العراق
2018-01-19
الف سلام من تونس على 'الربيع العربي'
2018-01-17
سلاح غير شرعي... وسياسة واقتصاد
2018-01-15
النظام الايراني يشكو من تدخّل 'خارجي'!
2018-01-14
الهدف الحوثي بلغة الخداع
2018-01-12
كتاب وإدارة
2018-01-10
هل يمكن لملمة حزب علي عبدالله صالح
2018-01-08
اميركا وايران
2018-01-07
الأردن بين التعقيد والبساطة
2018-01-05
المزيد

 
>>