First Published: 2016-03-23

طرابيشي.. التَّنويري الصَّدوق

 

يمثل فقد طرابيشي، في هذه اللحظة المعتمة مِن الزمن، خسارة في المواجهة مع كائنات الظَّلام.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

رحل الباحث الجاد جورج طرابيشي (1939-2016) بعد إعلانه في آخر محطة مِن محطات حياته الثَّرية بالفكر: إصابته بالشَّل التام عن الكتابة، وهي آخر ما كتب، الأولى: الغلو في التدين، ثم تركه لهول وصف عذاب الجحيم على لسان الرَّاهب، وأن الخطيئة ثلاثية: في العمل والقول والفكر، والأخيرة أخطرها. الثَّانية: ترك التَّدين بعد فرض الإخوان المسلمين السوريين التعليم الدِّيني في المدارس الثَّانوية، فكان يدخل درس الدين الإسلامي وهو المسيحي، فنفر مِن عبارة المدرس: "كلُّ مَن هو ليس بمسلم فهو عدو الإسلام"، وهنا شعر جورج بخطورة الفكرة، وهو الحلبي العريق.

الثَّالثة: رفضه عُرف "غسل العار"، وقد دار نقاش عنه داخل السِّجن، فاصطدم برفاقه الحزبيين واعتزلهم داخل السجن وخارجه. الرَّابعة: ترجمته لأعمال فرويد، الذي حللَّ له عادة ثرم الخبز على أنها إنعكاس لموقف الأب منه. الخامسة: مع محمد عابد الجابري(ت 2010)، وقد بدأ معه بنشر مقالاته في المجلة التي كان يرأس تحريرها ببيروت(1972). السَّادسة: محطة التَّوقف والصَّمت، التي استمرت حتى وفاته، إلا من بضعة مقالات.

بدأ نقده للجابري بما يخص إخوان الصَّفاء(القرن الرابع الهجري)، على أن الجابري وصف فكرهم بـ"إستقالة العقل"، ذلك في كتابه "تكوين العقل العربي"، الذي شجع طرابيشي على نشره، بعد أن عرضت عليه دار النَّشر مخطوطة الكتاب، ومِن ذلك التَّاريخ استمر ناقداً للجابري، صارفاً خمسة وعشرين عاماً معه، وأسفر عن روائع الفكر كنقد نقد العقل العربي(جزءان 2002).

عندما تطالع كتب الطرابيشي في تراث الإسلام لا يفوتك فضل الجابري عليه في غور هذا الحقل الشَّائك مِن حقول المعرفة؛ والذي ما زال يشغلنا ويضيق علينا طريق المستقبل، لم يبق هذا مجرد تصور إنما اعترف به الطرابيشي نفسه عندما قال عن صرف تلك السنين مع الجابري: "إنه أرغمني على إعادة بناء ثقافتي التُّراثية". سمعت مِن الطَّرابيشي أنه متأسف مِن عدم تقدير مناقشته للجابري، وخصوصاً مِن قِبل الكُتاب والباحثين المغاربة، فقد فهموا نقده هجوماً لاذعاً لا مناقشة ومفاتشة، وإذا كان الجابري معروفاً وحاضراً في الثَّقافة العربية؛ فما كتبه طَّرابيشي فيه فاعل ذلك الحضور.

يمثل فقد طرابيشي، في هذه اللحظة المعتمة مِن الزَّمن، خسارة في المواجهة مع كائنات الظَّلام، فمنذ الستينيات، من القرن المنصرم، بدأ في خدمة التَّنوير، بترجماته ومؤلفاته، متمكناً مِن أدواته في البحث والكتابة، ترجم في الفكر العالمي، مِن الفلسفة وعلم النَّفس والأدب، ففي الستينيات والسبعينيات والثمانينيات شغله التأليف في الماركسية والإيديولوجيا، والأدب العربي الحديث، وقضية المرأة، أما في التسعينيات وما بعدها حصر اهتمامه في التراث الإسلامي، ومتوسعاً من نقده للجابري إلى ما أدركه مِن مفاصل ذلك التُّراث، فكتب "المثقفون العرب والتُّراث"، و"المعجزة وسبات العقل في الإسلام" .

صحيح أن الطَّرابيشي لا يعنيه الإنتماء الدِّيني أو سواه، بقدر ما يعنيه الفكر الإنساني، إلا أننا لا نغفل محنة مسيحيي الشَّرق في الإقصاء عن أرضهم الأُم، ولنَّا الاعتراف بأن تلك البيئة أنتجت مثل الطَّرابيشي، أغنى الدراسات عن التُّراث الإسلامي، وقدم له خدمة جليلة في إظهار عناصر العقل فيه، ومنها تصحيح ما ورد عن "إخوان الصَّفاء" في كتاب الجابري.

كذلك لنَّا التَّذكير، ونحن نشيد في جهود طرابيشي، بمسيحيين كبار لولاهم ما وصلنا التُّراث الفلسفي والثقافي العالمي، الممثل بالإغريق، ويكفي أن نُذَّكر بجهود حُنين بن إسحاق العِبادي(ت 260هـ)، مِن مسيحيي الحيرة، الذي خصه الخليفة المأمون(ت 281هـ) بإدارة أعظم معهد علمي ببغداد "بيت الحِكمة"، والذي ترجم أُمهات الفكر الفلسفي والطِّبي اليوناني. ثم احتل إسحاق بن حُنين(ت298هـ) مكانة أبيه، ومَن صنف في تراجم الأطباء كان عالة عليه. ناهيك عن الأطباء والكُتاب المسيحيين، الذين خدموا في الدولتين الأموية و العباسية.

فقدنا برحيل طرابيشي الأستاذ والمؤلف والإنسان الرَّاقي بأخلاقه وتواضعه؛ عُدت مؤلفاته بالعشرات، وبالقدر نفسه كانت تراجمه لروائع الفكر الأجنبي، وبهذا مكن القارئ العربي مِن التعرف على فرويد وأمثاله.

أقول مِن حق المسيحيين المزاحين عن ديارهم، ومنها مسقط رأس طرابيشي (حلب)، أن يتمثلوا بشاعر هم المطبوع الأخطل التَّغلبي(نحو92هـ)، عندما قال مذكراً مَن أنكر فضل قومه، وكأنه يناشد المتأخرين: "ألسنَّا مِن دمشقَ إلى عُمان/ملأنا البرَّ أحياءً حلالا/ ودجلة والفرات وكلَّ وادٍ/إلى أن خالط النَّعم الجبالا"(الدِّيوان، وقومي تغلب والحي بكرٍ). أولئك أجداد طرابيشي، التارك لنَّا بعض سراج يخفف فيه ظلمة أخذت تتسع. أقول: كان أستاذنا تنويرياً صدوقاً، ذلك لكثرة المتراجعين عن التَّنوير لصالح التَّعصب والطَّائفية.

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
بغداد وعدن.. قبل الحوثيين وبعدهم
2017-12-06
ماذا يبتغون من علي وبنيه؟
2017-11-29
قطر.. توظف الإخوان أم هي إخوانية؟
2017-11-15
العراق.. داعش تترأس البرلمان!
2017-11-08
ملتقى الفجيرة.. وإعلام «لمح البصر»
2017-11-01
بغداد.. متى تغدو اتحادية؟
2017-10-25
جلال الطالباني.. وغرائب العراق
2017-10-18
موسكو والرياض.. اليوم غير الأمس
2017-10-11
لا أربلا كردية ولا بابل شيعية
2017-10-04
الرايات العقائدية عابرة للأوطان
2017-09-27
المزيد

 
>>