First Published: 2016-03-24

.. وبدأت مرحلة السوريين العرب

 

صار من الضروري إدخال تعديلات على التوجهات الغربية في التعامل مع التيار الإسلامي بشتى أطيافه والتخلي عن مسألة الانتقائية والازدواجية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

هناك توصيفات كثيرة يمكن أن تطلق على ما حدث في بلجيكا يوم الثلاثاء الدامي، الذي تعرضت فيه العاصمة بروكسل لتفجيرات، هزت الكثير من الأركان السياسية والأمنية في القارة العجوز، لعل أبرزها أن مرحلة جديدة من الإرهاب بدأت تطرق أبواب أوروبا.

مرحلة ربما يصلح وصفها بأنها تمثل الموجة الثالثة من الموجات الإرهابية وروافدها، التي تتكاثر ثم تتسرب عندما تبدأ إحدى بؤر المتشددين في الانفراط، فقد حدث ذلك في نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي، بعد أن بدأت الحرب السوفيتيية في أفغانستان تضع أوزارها، حيث غادرت عناصر من المتطرفين إلى بلدان، غالبيتها عربية، ونقلت أفكارها المتشددة معها، ونجحت في التمركز داخل دول مختلفة، وارتكبت عمليات إجرامية متباينة، وكان جل ثقلها في مصر والصومال والسودان واليمن، علاوة على نجاح عناصر محدودة في الاستقرار بدول غربية.

قبل أن تتضخم العناصر المتطرفة في الدول التي غادرت إليها، عاجلتها الحرب في البوسنة والهرسك، فانتقلت أعداد كبيرة إليها، بذريعة نصرة المسلمين في الإقليم، وعندما تم الانتهاء من هندسة منطقة البلقان برمتها، بمعرفة القوى الرئيسية في حلف شمال الأطلنطي، شعر عدد كبير من المتشددين أن مهمتهم انتهت تقريبا في هذه المنطقة، وبدأت الموجة الثانية من الهجرة، تهل على البلدان التي ذهبوا إليها وأسلافهم في الموجة الأولى.

اتسمت الموجة الثانية بقدر من التريث، حيث اكتسبت العناصر المتطرفة خبرة قتالية وحنكة سياسية، مكنت قياداتهم من إعادة تنظيم صفوفهم، تحت مسميات حركية مختلفة، وشرعوا في عملية بناء محلية، وتمددوا أفقيا ورأسيا في الدول التي استقروا فيها، وأضحت لهم هياكل رمزية، ونسجوا خيوطا اقتصادية، ساعدتهم في الوصول إلى قاع المجتمع في بعض الدول العربية التي استقروا فيها، وبدت أبصارهم بازغة نحو السلطة، وكانت معدلات العنف في تصوراتهم وتصرفاتهم أقل مما حدث في الموجة الأولى، فقد غدا هناك هدف أسمى تمثل في التعلق بأهداب السلطة، أملا في استعادة حلم الخلافة الفضفاض.

الثورات التي اجتاحت بعض الدول العربية مؤخرا فتحت شهيتهم، وبدأت عناصرهم في هذه الدول تنشط وتتحرك للسيطرة على المفاصل الرئيسية للحكم، وتتبني مرونة مصطنعة للوثوب على السلطة، وجرت في مصر وتونس مياه كثيرة في هذا البحر، شجعت على مد الأبصار إلى دول أخرى، وكانت سوريا الأكثر جاذبية لمعظم العناصر المتشددة، وأضحت أحد مراكز الثقل لعدد كبير منها، خاصة بعد الانتكاسة التي تعرضت لها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والعثرات التي واجهها الحلفاء في كل من تونس والعراق.

لدواعي تاريخية وسياسية وأمنية، تحولت سوريا إلى قاعدة مهمة لكثير من العناصر التي عرفت بتطرفها، مستفيدة من أنواع مختلفة من الدعم كانت تصل إليها، عبر قوى إقليمية ودولية، ووصل الأمر حد غض الطرف من قبل سلطات دول غربية عن عمليات التسفير التي كانت تتم إلى سوريا لأشخاص معروفين بتشددهم، رغبة في التحلل من ثقلهم، وتجميعهم في منطقة واحدة، قد تساهم في إبعاد شبحهم.

سواء كان ذلك بهدف الترحيل والتخلص منهم بطرق ملتوية، حيث أصبحوا عبئا على كاهل الدول التي يقيمون فيها، بسبب تشددهم، أو توظيفهم في الحرب المستعرة داخل الأراضي السورية، فالنتيجة واحدة، وهي أن هناك تجمعات لمتطرفين أخذت تتزايد، وتحولت لقوة رئيسية في حرب، ظهرت عليها مبكرا علامات تشابك إقليمي ودولي خطير، وجرى التخطيط لها لتستمر فترة طويلة من الوقت، لرسم خريطة جديدة للمنطقة.

لكن التدخل الروسي في الأزمة السورية في سبتمبر الماضي، قلب الكثير من الحسابات السياسية والأمنية، لاسيما عقب نجاح موسكو في تغيير التوازنات على الأرض لصالح قوات بشار الأسد، وحشر الجماعات المتشددة في زاوية ضيقة، بدءا من تنظيم داعش وحتى جبهة النصرة، ومرورا بأحرار الشام وغيرها، في هذه اللحظة بدأت مجموعة كبيرة من العناصر المتطرفة تشعر بهواجس البقاء، وتستعد للموجة الثالثة من الهجرة، وكانت وجهة معظمها هذه المرة ليبيا وأوروبا.

استفاد المتطرفون الجدد من موجة التعاطف الغربي مع المهاجرين السوريين، الأمر الذي بدأت تجلياته تظهر في الأحداث الإرهابية التي ضربت بعض العواصم الأوروبية، خاصة باريس وبروكسل، وحتى من استقروا في ليبيا حاليا أصبحوا خطرا مستقبليا على أوروبا.

قبل أن يلقى حتفه عبدالحميد أباعود الزعيم المفترض للمجموعة التي نفذت اعتداءات باريس في نوفمبر الماضي، اعترف لمقربين أنه دخل فرنسا من دون وثائق رسمية مع 90 رجلاً آخرين، من سوريا والعراق وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، كما تبنى تنظيم داعش تفجيرات بروكسل، التي جاءت بعد أيام قليلة من اعتقال صلاح عبدالسلام في بلجيكا، المتهم الرئيسي في أحداث باريس، بمعنى أن المتطرفين في أوروبا لديهم شبكة متداخلة، لها امتدادات إقليمية ودولية، يمكن وصفها بأنها تأتي ضمن السياق العام للموجة الثالثة للعناصر المتشددة، حيث ارتوت بأفكار قياداتها التي ذهبت إلى العراق وسوريا، ثم انتقلت إلى دول غربية.

إذا كانت المرحلة الأولى المعروفة بـ "الأفغان العرب" انتهت إلى وضع البذرة الحقيقية لما يطلق عليه "الجهاد الإسلامي"، والمرحلة الثانية "البوسنيون العرب" توصلت إلى الاقتناع بالبناء من الداخل، فإن الموجة الثالثة "السوريون العرب" من الممكن وصفها بـ "التغول في أوروبا".

ربما تكون هذه الموجة الأخطر، لأن الكثير من العناصر المتطرفة استفادت من العشوائية التي صاحبت عمليات الهجرة القسرية الأشهر الماضية، ونجحت في توظيف التعاطف الظاهر الذي بدا في خطاب بعض الدول الغربية حيال المهاجرين، لأسباب سياسية أكثر منها إنسانية، قبل أن تتم فرملتها بإجراءات قاسية، ناهيك عن الخميرة الجاهزة من الجاليات المسلمة التي تقطن عددا من الدول الأوروبية، حيث وفرت ملاذا لهؤلاء، خاصة أنها تعيش على هامش المجتمع الغربي، ما جعلها بيئة جاذبة لقطاع منهم.

لذلك تفرض هذه النتيجة إدخال تعديلات على التوجهات الغربية في التعامل مع التيار الإسلامي بشتى أطيافه، والتخلي عن مسألة الانتقائية والازدواجية، وصياغة منظومة جديدة، والتعاون والتنسيق مع الدول التي لها باع في عمليات مكافحة الإرهاب، فقد أصبح ناقوس "السوريون العرب" يدق أجراس الخطر.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
المزيد

 
>>