First Published: 2016-03-27

ارقد بسلام ياسيد توملينسون، الايميل لم يعد مزعجا!

 

البريد الإلكتروني جعلنا عدائيين سلبيين، وشجعنا على العبوس، وأن نكون مهذبين على نحو زائف، وذوي وجهين، ومسببي عوائق، لقد خنق النقاش وجعل حياة المكتب مزعجة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

اتهمني أحد أقاربي، وهو على درجة عالية من التعلم، بالتعالي وعدم الكياسة لمجرد أن رسالتي الإلكترونية إليه كانت مقتضبة ولا تليق بمثله! لقد كتبت له حينها ردا على تعليق أرسله على مقال سياسي لأحد الكتاب أسهمت بنشره في موقع إلكتروني كنت أشرف عليه، أشكره على التعليق وأشدد على أنه موضع اهتمامي.

أنا أيضا تلقيت في وقت آخر رسالة من رئيس تحرير مجلة أسأله عن مصير مقال كتبته بطلب من المجلة نفسها، فكتب لي كلمة واحدة فقط تعلمني بأنه نُشر! ولم أشعر بالاستياء مثله.

لم يكن في مثل هذا الكلام ما يقلل من قيمة قريبي البعيد عني الآلاف من الأميال، وفق حسي الذاتي وأصول الكياسة، ولم يكن هو أيضا يستحق عدم تفهم طبيعة رده المتشنج والخارج عن سياق التعامل الودود، المشكلة تكمن في طبيعة البريد الإلكتروني الذي أوجد سلسلة طويلة من الالتباسات في العلاقة بين البشر!

فلم يعد ممكنا التعبير عن آرائنا كما هي في رسائل إلكترونية مقتضبة كانت أم طويلة، هناك ما يُنتزع مما نريد التعبير عنه، اللغة تصل متأخرة وغير جديرة بالوفاء وقد تحدث ضررا، لسبب مرتبط بطبيعة علاقتنا مع الكمبيوتر التي لا تشبه تلك العلاقة التاريخية مع الورق ولا حتى بأصول التحاور بين الناس.

السلوك الاجتماعي وضع أصولا متعارفا عليها للتحاور بين الناس، لكن الكمبيوتر والهاتف الذكي لم يوجدا بعد مثل هذه الأصول، ولو تسنى لبعضهم أن يضع شحنة كهربائية قاتلة في رسالة إلكترونية لفعل، لكن لحسن الحظ لم تتوفر بعد!! مثل هذه التقنية.

عندما توفي قبل أسابيع راي توملينسون، صاحب الفضل في ابتكار البريد الإلكتروني، انهالت كلمات التأبين بحق الرجل الذي يستحق ذلك بوصفه مبتكرا غيّر طبيعة التواصل بين الناس.

إلا أن لوسي كيلاوي لديها ما تقوله بحق البريد الإلكتروني وليس بحق توملينسون الذي يرقد بسلام الآن، عندما كتبت في صحيفة فايننشال تايمز عن اتهام مختلف صوبته نحو الإيميل “لقد جعلنا جميعا عدائيين سلبيين، وشجعنا على العبوس، وأن نكون مهذبين على نحو زائف، وذوي وجهين، ومسببي عوائق، لقد خنق النقاش وجعل حياة المكتب تافهة ومزعجة أكثر مما كانت في أي وقت مضى”.

تبدو لوسي مثل بقية الناس على مختلف مشاربهم الذين اعتبروا وفاة توملينسون ذريعة للشكوى من ابتكار أفسد حياتنا في المكتب، لقد منعنا من إنجاز ما ينبغي إنجازه، وأرهق أدمغتنا، وعلمنا الاستمرار في العمل حتى عندما نكون في السرير.

مثل هذه الشكوى نجد ما يقابلها على درجة مريعة من التناقض في الأوساط الأدبية والإعلامية العربية، فثمة من لا يستخدم البريد الإلكتروني إلى اليوم، ولا يتقن تنضيد رسالة إلكترونية صغيرة، وهو على درجة من الأهمية “الإبداعية”، يمكن أن أنقل لكم مثل هذا الكلام عن شاعر غنائي بارع لو فتحنا عشرين محطة فضائية في وقت واحد، ستكون عشرة منها على الأقل تبث أغانيه، هذا الشاعر مازال لا يمت بصلة إلى الكمبيوتر!

ويصعب عليّ تخيل روائي على درجة من الأهمية يشغل القراء العرب كثيرا بتصريحات ومقالات أسبوعية، صدر له وعنه أكثر من ثلاثين كتابا، ولم ينضد جملة واحدة إلى اليوم، أنه سعيد باقتناء الأقلام المريحة التي تسهل له عملية الكتابة.

مثل هذين الكاتبين، لا أرى أنهما انشغلا بالجدل الاجتماعي والنفسي الذي تصاعد بعد رحيل مكتشف البريد الإلكتروني.

الجدل حول طبيعة بشرية أُرغمت على التغير للتكيف مع رسائل إلكترونية تثير الاستياء والغضب وتجعل التعامل مع الكمبيوتر نوعا من المشاكسة السلبية وأمرا عدائيا، ازداد بضراوة مع شيوع الهواتف الذكية.

قد يعتبر البريد الإلكتروني وسيلة لتنفيس الغضب الذي لم نعد نستطيع إظهاره شخصيا، لكن بتعبير لوسي كيلاوي “الغضب عادة لا يدوم، لكن البريد الإلكتروني الغاضب يبقى إلى الأبد”.

ومع أن الإيميل غير مناسب للغضب العلني، إلا أنه مناسب لنقل العداء بشكل سلبي، دون أن يتم الإمساك بك، وهذه وسيلة الضعفاء لا أكثر.

الصمت حيال الرسائل الإلكترونية المهينة، أمر مدمر يفاقم القلق، لكن مجرد الرد على مثل هذه الرسائل يعني التنازل عن قيم متحضرة يؤمن بها الإنسان المتعقل.

لقد تفاقم مثل هذا القلق وحمل تفسيرات بأوجه عدة مع تحول البريد الإلكتروني إلى كتابة إلكترونية مباشرة، فالجمل القصيرة المكتوبة تحمل تفسيرات تجعل من عدم المعرفة أمرا غير سار. وكأن كتابة جملة قصيرة في المحادثة النصية تريد إلقاء اللوم على الآخر، ليس لأنك تعني هذا تحديدا، بل لعدم التأني، والتي يغري بها الكيبورد ولم تكن قائمة مع القلم، فالكتابة العاجلة في إيصال الفكرة تجعل من اللغة أداة شحن وإزعاج وغير واضحة للمرسل إليه.

لم تعد وحدها رسائل البريد الإلكتروني الأكثر إزعاجا، ثمة ما يضاف إليها بتطبيقات سريعة أوجدها الهاتف الذكي، فارقد بسلام يا سيد راي توملينسون!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الغناء بوصفه حلا
2017-01-17
سلب السلطة من السلطة الرابعة
2017-01-15
هل حقا لا ينام ترامب؟
2017-01-10
كيف يدخل المعلنون إلى وعينا
2017-01-08
2016 أسقط نرجسية وسائل الإعلام
2017-01-03
ما معنى أن تكون الصحافة الحكومية ديمقراطية
2016-12-26
كوميديا الصعود السياسي
2016-12-20
الأخبار الزائفة تحرق الديمقراطية
2016-12-18
النساء بلا جاذبية
2016-12-13
إعادة الثقة المهتزة بوسائل الإعلام
2016-12-11
المزيد

 
>>