First Published: 2016-03-29

ياللتاريخ! لكم يمارس صمتا مؤذيا

 

أن تشيْع درجة الخرافة إلى مستوى شنيع من التخلف ويتقبلها العراقيون كواقع قائم، محنة مخيفة يسهل عندها تقبل كل محن الفساد السياسي وانهيار الدولة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

يتهكم البصريون على رجل دين قدم إليهم من إيران في عقد الستينات من القرن الماضي، بوصفه يمتلك معلومات معاصرة حينها، ولا يكتفي بالنحيب وإعادة قصة مكررة في مجالس دينية كانت تقام آنذاك.

كان هذا الرجل يتحدث عن نظرية النشوء والارتقاء عند تشارلز دارون، ولنا أن نتخيل لكنته الفارسية في الحديث، فدارون يتحول إلى “دارفيين” والقرد الذي يسمى باللهجة العراقية “شاذي” أصبح بلهجته الفارسية “شازي”!

كان يريد تسفيه النظرية لأنها تتنافى مع قدسية خلق الإنسان، فوضع فكرة مثيرة لمشاعر العامة وخصوصا الأميين منهم وإن كانت مضحكة، فقال إن “دارفيين” يقول إن أصل الإنسان “شازي” وصرخ بعدها بسؤال موجه للحاضرين في المجلس الديني “هل تقبلون أن تكون السيدة “….” شازية؟ والإمام “….” شازي؟

فرد الحاضرون بإصرار وإجماع لا..لا، رافضين أن يتحول أئمتهم الصالحون إلى قرود وفق نظرية الكافر دارون.

مثل هذه الحكاية يمكن أن يُقبل حدوثها ارتباطا بدرجة الوعي آنذاك، لكن أن يتكرر مثلها اليوم في العراق يعني أن رثاثة شنيعة تسيّر الواقع، وأن يتقبلها العراقيون يعني أنهم خارج جغرافية العالم كقرية صغيرة.

يمكن إدراج المئات كحكاية “أصل الإنسان شاذي” يتم تداولها اليوم على الإنترنت بشكل مخيف عن واقع عراقي موغل في التخلف واللا أبالية بشكل مريع.

المثير في الأمر أن لرجال الدين والخطباء سطوة كبيرة على الشارع، وهناك من يتداول الهراء الذي يروجون له بوصفه حكمة مقدسة، بل صارت لهم مواعيد متواصلة لمجالس تقام في المدن ويتعنى لها بكثافة الأميون والمتعلمون على حد سواء، وتُعلّق بعض العراقيات صورا مثل هؤلاء الخطباء كتعويذات على الصدور وفي قلائد ذهبية.

يمكن ببساطة معرفة أن جمهور الخطيب أو القارئ فلان ينافس في شهرته جمهور أشهر المغنين أو الرياضيين، وتلك محنة لا أشد منها تتصاعد في عراق صارت فيه طقوس التخلف والنكوص وتمجيد الخرافة التاريخية من المقدسات.

واقع الأمر أن التاريخ لا يدافع عن ذاكرة تنسب له وتعلق عليها الأكاذيب والترهات، وبقي يمارس الصمت على كل ما عَلق به، لذلك يستغل رجال الدين والخطباء ذلك لتفعيل قصص تاريخية محملة بالقداسة والخرافة وكأنها حقائق لا تقبل اللبس من أجل ترويج خطاب ديني بمواصفات سياسية.

لكن أن تشيْع درجة الخرافة إلى مثل هذا الحد ويتقبلها العراقيون كواقع قائم، محنة مخيفة يسهل عندها تقبل كل محن الفساد السياسي وانهيار الدولة.

إذا كان العراقيون قد تهكموا على "أصل الإنسان شاذي" بعد سنوات من كلام رجل الدين الإيراني الذي يستحق الشفقة، فإنهم يعودون اليوم إلى النكوص مع السماح لخطباء يغدقون المواصفات الخارقة على شخصيات تاريخية ودينية يتحدثون عنها وكأنهم تناولوا الفطور مع تلك الشخصيات على مائدة واحدة.

ياللتاريخ! لكم يمارس صمتا مؤذيا.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
القلب صديق المشائين
2017-02-14
المزيد

 
>>