First Published: 2016-04-03

كلام المقاهي ليس إعلاما

 

كلام المقهى والمجلس أصبح اليوم تغريدات على تويتر، فمن يسكن في جزر الواق واق يسمع تغريدات فتاة في الرياض عبر المايكرفون الأقوى في العالم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

أن يزدري جون همفريز بوصفه “ثروة إعلامية” في بلاده على الأقل، وسائل التواصل الاجتماعي رافضا وضعها كمصدر إعلامي للجمهور، هذا يعني أن الصحافيين لم يخسروا السباق بعد مع الإنترنت، أو بتفاؤل أكثر ثمة ما يمكن التعويل عليه لدى الصحافي مستقبلا في زمن رقمي بامتياز يديره “المواطن الصحافي”.

ولا يرى همفريز الذي عرف كمحاور لا يقبل التردد مع كبار السياسيين على “بي بي سي”، في هذا الكم الهائل من المعلومات على تويتر وفيسبوك أكثر من “كلام حانات” يتداوله الناس يوميا ولا يمكن التعويل عليه بأي حال من الأحوال. فحسب تعبيره “من يريد ان يعرف ما يفكر فيه الناس العاديون عليه مقابلتهم في حانة أو مقهى”.

ببساطة، لا يصنع هؤلاء الناس في تدوينات على الإنترنت، رأي الجمهور ولا ذائقته بوصفهم صناع خطاب إعلامي.

كلام المقهى والمجلس أصبح اليوم تغريدات على تويتر، ومثل تلك المقهى كمكان لم تعد جوار بيت المغرد أو في قريته، فمن يسكن في جزر الواق واق يسمع تغريدات فتاة في الرياض عبر المايكرفون الأقوى في العالم.

أهمية رأي المحاور والكاتب البريطاني جون همفريز “73 عاما” تكمن في طبيعة تجربته الإعلامية، فهو رائد نشرة أخبار هيئة الإذاعة البريطانية ومنذ ثمانينات القرن الماضي، وسمعته كمحاور صريح أربكت السياسيين إلى حدّ أن اتهمه وزير سابق بالحكومة البريطانية “بتلويث إرادة الحوار الديمقراطي”، وهذه شهادة عالية الجبين عندما لا يرضى السياسي ورجل الحكومة على الصحافي.

وعندما زارت ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية مبنى هيئة الإذاعة البريطانية كان جون همفريز من بين ثلاثة من المذيعين الرواد قد حظوا بمقابلة خاصة من قبلها.

هذا الإعلامي جدلي بامتياز سواء في عموده السابق في صحيفة ديلي ميل البريطانية أو عبر موقفه من الديانات والجدل الذي أثاره في حوارات برنامجه الإذاعي حول المسيحية واليهودية والإسلام، وحتى في ما صدر له من كتب بشأن فكرة الدين والشيطان والعمق الحسي الذي يتلاشى اليوم في اللغة الإنكليزية تحت وطأة لغة الشارع السائدة.

غالبا ما تبدأ هذه الكتب بسؤال في العنوان ولا تنتهي بإجابة بقدر ما تطلق حزمة أسئلة أخرى.

لذلك عندما يقول همفريز ما يطلقه الناس اليوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي ليس إعلاما، فهو يعني بالضرورة طبيعة الصناعة الإعلامية وقيمها ومواصفاتها، فهذه الصناعة ليست مجرد بضع كلمات صار بمقدور الإنسان اليوم تدوينها في تقنية متاحة لا تخضع إلا لمزاجه وطريقة تفكيره، وهذا سبب كاف بألّا تصنف التغريدات كمادة إعلامية.

ليس مفاجأة ما أسمته صحيفة الغارديان “ازدراء جون همفريز لتويتر” لأنه يرى أن مثل هذه التغريدات سبب للحيرة، والمغردون لا يفعلون أكثر من تدوين ما يفعلونه في كل وقت كأناس عاديين.

سبق وأن اعتبرت الكاتبة البريطانية إيملي بيل تحويل تويتر إلى مجرد وكالة تبث الأخبار فكرة مالية بغيضة.

وعد الروائي الأميركي جوناثان فرانزين التكنولوجيا بأنها لا تملك الكثير لتفعله حيال تطوير حسه الإبداعي.

ومع أن العاملين في موقع تويتر بما فيهم رئيسه التنفيذي جاك دورسي لم يتفقوا على تعريف محدد واحد لموقع التغريدات المقتضبة، إلا أن كلمات مثل “العالم الحي”، “جحيم تستهلك الوقت”، “حرية التعبير” كانت ماثلة في أفكارهم.

ومع ذلك لم يحددوا السبب الذي يدعو الناس إلى استخدام تويتر، ولم يسهلوا الأمر عليهم لفهم كيفية استخدامه.

إلّا أن جون همفريز “ملوث إرادة الحوار الديمقراطي” وفق تعريف السياسيين له يرى أن الإدمان يستحق أن يكون على القراءة ومشاهدة التلفزيون وليس على مواقع التواصل الاجتماعي، فالتلفزيون سيبقى “العقل المدبر” بوصفه الأبقى تأثيرا، لأنه ليس ناقلا لكلام الحانات والمقاهي اللامسؤول، تلك مهمة لا مسؤولة لتويتر!

همفريز ليس خارج هذا العالم التكنولوجي بوصفه تجربة حية للإنسانية، فهو يقرأ على جهاز أي بلد ويمتلك مكتبة في منزله تحوي أكثر من ألف كتاب، والإنترنت بالنسبة له طريقة رائعة للحصول على المعلومات.

لكنه بالتأكيد ليس مثل الروائي الألماني الراحل غونتر غراس الحاصل على جائزة نوبل للآداب، والذي سبق وأن وصف نفسه بـ”الديناصور” في نأيه عن فيسبوك عندما قال “إن الفكرة التي تخضع للاتصال بصورة مستمرة، والتي ربما تتعرض للمراقبة، هي فكرة بغيضة” رافضا أن يكون جزءا منها.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
درس ديني لوسائل الإعلام
2017-06-11
أبعد من تفاحة نيوتن
2017-06-06
المزيد

 
>>