First Published: 2016-04-06

بروفيسور في علم الإنسان

 

هل يمكن أن تتخلص المجتمعات من إغراء السحرة وفاتحي الفأل والفنجان، أشك بذلك. فالأميركيون مثلا يسافرون إلى المكسيك من أجل معرفة بختهم من المئات من الدكاكين لنساء يقرأن المستقبل في أوراق لعب القمار.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لأن لندن مدينة كوزموبوليتيكية بامتياز قل نظيره، فيمكن توقع رؤية أي شيء سمعنا عنه أو لم نسمع، علينا فقط أن نحتفظ برباطة الجأش ولا نسقط في المفاجأة، لكنني في حقيقة الأمر لم أنجح في ذلك تماما عندما أوقفني رجل هندي وقال لي أنا أعرفك!

كان هادئا ولا يبدو عليه الانفعال وهو يسرد معلومات عني، فقال أنت عازب وحاصل على تعليم جامعي وتعاني من آلام في الظهر ووو.. وبدأ يتحدث عن مواصفات قد تكون افتراضية لكنها عامة قد يشترك فيها عدد كبير من الناس، مع أنه أصاب أكثر مما أخطأ وهو يتحدث عني!

قلت له: ثم ماذا؟

قال: أنا بروفيسور في علم الإنسان! وقادر على إفادتك في اختيار مسارات حياتك المستقبلية، ومن أجل أن تتأكد من قدرتي يمكن أن أذكر اسم أمك مقابل 25 جنيها.

أخذتني المفاجأة من رجل بهيئته الهندوسية وعمامته السوداء يوقفني في طريق لم أعتد المرور منه في وسط لندن، ويتحدث بثقة عني ويزعم أنه يعرف اسم أمي.

وبفعل أقرب إلى اللاإرادي أخرجت ما بجيبي من نقود معدنية ووضعتها في حقيبة جلدية فتحها أمامي على شكل كتاب.

وعندما شاهد النقود القليلة، قال إنك تمزح بلا شك، أنا لست شحاذا بل بروفيسورا وأوقفتك من أجل أن أساعدك في ما تتخذه من قرارات بشأن مستقبلك.

استعدت شيئا من هدوئي وتخلصت من وقع المفاجأة، تذكرت أنني أقرأ منذ أربعين عاما، فكيف لي أن أصدق الخرافة وأتخلى عن منطقي العقلي.

اعتذرت من الرجل وقلت له “آسف لا يمكن أن أصدقك”، وتركته ومضيت في طريقي، ولكنه كما يبدو رد لي طعنة عدم تصديقه بإرسال رسالة نصية على هاتفي المحمول حملت كلمات أشبه بالسنسكريتية لم أستطع قراءتها، ربما أراد أن يقول لي ها أنا أعرف شيئا آخر عنك، رقم هاتفك.

بعدها لمت نفسي بشدة وأنا أحلل قدرة هذا الرجل الغريب الذي تحدث عني كمن يعرفني حقا، لماذا لم أسأله إن كان هو على هذه الدرجة من المعرفة فلم لا يعرف أرقام بطاقة أللوتري ويربح الملايين، بدلا من تقديم خدماته لي ولغيري من أجل مبالغ ضئيلة.

شعرت بالارتياح وأنا أجد منطقا عقليا أرد به على رجل يزعم أنه يعرف مستقبل الآخرين، لكن هل يمكن أن تتخلص المجتمعات من إغراء مثل هؤلاء السحرة وفاتحي الفأل والفنجان، أشك بذلك. فالأميركيون مثلا يسافرون إلى المكسيك من أجل معرفة بختهم من المئات من الدكاكين لنساء يقرأن المستقبل في أوراق لعب القمار.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
المزيد

 
>>