First Published: 2016-04-06

العراق.. لعبة التكنوقراط والإصلاح

 

حكومة التكنوقراط ليست بمقياس أن صاحب الدكان يصلح لوزارة المالية، وسائق السيارة يصلح لوزارة النقل، والمجاهد من حقه الاحتفاظ بميليشيا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: رشيد الخيّون

قَدم حيدر العبادي أسماء الوزراء الجدد، لتشكيل حكومة فنيين، بهم سيتم الإصلاح الحكومي، مع أن الدعوة إلى حكومة من أهل الاختصاص، ووجوب الإصلاح، ليست جديدة، وإنما جرت المطالبة بها منذ (أبريل 2003)، وأبرزها تظاهرات ساحة التحرير وسط بغداد (2011)، لكن أُعتبروا «عصابة خرجت وشقت»، فجرى تشتيتها واعتقال واغتيال النُّشطاء فيها. بعدها تظاهر أهل المحافظات الغربية وكان عدم الاستجابة، ولو لبعض المطالب، وإنما قمعها بقوة السلاح، إيذاناً بهيمنة «داعش» على الموصل ثم المحافظات المذكورة.

وضع الإسلاميون أمامهم تلك التجربة، فلو تكررت ستعصف بوجودهم كافة، وكان نداء اقتحام المنطقة الخضراء يتعالى من حناجر غير الإسلاميين، فمِن الواضح أن التظاهرات التي عمت المحافظات الجنوبية والوسطى، قبل شهور، كانت سلمية وذات مطالب مدنية، وركزت على محاكمة الفاسدين، وقصدت بالاسم رئيس السلطة القضائية، ولخطورة موقفه حينها زاره أقطاب الميليشيات، ليبعثوا برسالة تحذير إلى المتظاهرين بأنه في حمايتهم، وحماية صاحب هذا المنصب تعني الوقاية مِن فتح ملفات الفساد الكبرى.

فمَن يقوم يا تُرى بدور سحب البساط من المتظاهرين، وإعادة الاعتبار للتيار الدِّيني أو قيادة العِمامة؟ ليس غير مقتدى الصَّدر، الذي طالما لعب دور المتمرد، ليتم طمأنة سكان الخضراء بتظاهرات «منهم وبهم»، وبهذا أُنقذت سُلطة الإسلاميين بدعوة إلى التكنوقراط والإصلاح. فخفتت أصوات دعاة الإصلاح الصادقين، وراء خطابات واعتصامات تمثل مصلحة السُّلطة نفسها. وقد اغتر بهذه اللعبة دعاة الدولة المدنية أنفسهم، فأسرعوا إلى التصفيق والتهليل.

وعلى ما يبدو، هناك مُخرج بارع، من خارج الحدود، لإخراج هذه التمثيلية، وقتل الدعوة إلى الإصلاح وحكومة التكنوقراط، وتشتيت المطالبين لوقت كافٍ يتنفس فيه الفاسدون الصعداء، فالأمر سينتهي بمجرد استبدال وزراء بآخرين، بعد أن صار مِن الخطورة استخدام العنف ضدهم، مثلما حدث مِن قبل، حين سفكت الدِّماء بلا كتاب ولا حساب. فما حصل، قبل أيام، كان خطف الشِّعارات والمطالب لتسويفها، بعد السيطرة على غضب الناس.

لا أعرف أسماء الوزراء الجُدد، غير أن وجود أحدهم على رأس وزارة سيادية، لا يبشر بخير، فالرجل ولد وفي فمه معلقة مِن ذهب، في ظل العهد الملكي، ثم أكثر في اتهام ذلك العهد بالطائفية، واستهل نشاطه السياسي، بعد أن صار إسلامياً، ببيان طائفي، قُبيل سقوط بغداد، وعلى ما يبدو أن إسلاميته غلبت تقاليد الجامعة الراقية التي تخرج منها، فإذا ظل ثابتاً على ما بدأ به، فنقول للطائفية والمحاصصة «ابشر بطول سلامة يا مربع» (البيت لجرير). أقول: لعل الرجل يخيب الظن به، بعد تجربته مع الإسلاميين، ويتصرف كتكنوقراطي ومدني مخلص، بنزع الجلباب الإسلامي الذي لا يدخل في السياسة إلا عبر الطائفية.

أجد للتكنوقراطية، أو الفنية، ومضة في تراثنا، هذا ما نقرأه في «رسائل إخوان الصَّفا»، وهم جزء مِن تراث الإسلام والعراق المضيء: «اعلم يا أخي، أيدك الله وإيانا بروح منه، أنه قد تدخل الشُّبه في كل صناعة علمية، على من يتعاطاها وليس من أهلها، وكان ناقصاً فيها أو ساهياً عنها. مثال ذلك: ما ذكروا من أن رجلاً ابتاع من رجل آخر قطعة أرض بألف درهم على أن طولها مئة ذراع وعرضها مئة ذراع. ثم قال له: خذ مني عوضاً قطعتين من أرض، كل واحدة منها طولها خمسون ذراعاً وعرضها خمسون ذراعاً، وتوهم أن ذلك حقه، فتحاكما إلى قاضٍ غير مهندس، فقضى بمثل ذلك خطأً. ثم تحاكما إلى حاكم من أهل الصّناعة، فحكم بأن ذلك نصف حقه» (الرسالة الثَّانية من القسم الرياضي). إنها دعوة صريحة لتحكيم أهل الاختصاص، وهذا ما يُصطلح عليه بالتكنوقراطية، لكن ليس بمقياس أن صاحب الدكان يصلح لوزارة المالية، وسائق السيارة يصلح لوزارة النقل، والمجاهد من حقه الاحتفاظ بميليشيا.

قيل هذا الكلام، وغيره من المبثوث في رسائل إخوان الصفا، قبل ألف ومائة عام، وكم مرت على بغداد مِن الأهوال، ندرة في المسرات وكثرة في الأوجاع، حتى وصلنا إلى زمن الزَّيف المتستر بالدِّين، مَثل أقطابه كمثل شَهر بن حوْشَب الأشعري (ت 100هـ)، وكان رجلاً شامياً سكن العراق، وولي بيت المال، فأخذ يؤتى له خرائط (أكياس جلدية) من ودائع الناس لدى القُرَّاء والفقهاء، فضُرب المثل: «خريطة شَهر»! قال فيه الحصين القطامي، وقيل غيره: «لقد باع شهرٌ دينه بخريطة/فمَن يأمن القرَّاء بعدك يا شهر» (العسقلاني، تهذيب التهذيب). أقول: مثلما زيفت الديمقراطية بحرية الفساد، تزيف الدعوة إلى إنقاذ البلاد بتمثيلية «التكنوقراط والإصلاح»، ويمكن التعبير عنها بالمشهور: «كلمة حقٍ يُراد بها باطل».

 

رشيد الخيّون

r_alkhayoun@hotmail.com

 
رشيد الخيّون
 
أرشيف الكاتب
طريق الإخوان ليس بهذا النُّبل
2017-03-22
وماذا عن الناسخ والمنسوخ؟
2017-03-15
العراق والسعودية.. وخسارة الطائفيين
2017-03-08
قَتل المثقفين.. مَن يُحاسب المفتين؟
2017-03-01
العراق.. وطابع البريد الباقي
2017-02-22
«أهل البيت».. لا نواصب ولا روافض
2017-02-15
قلم نوري المالكي.. «المحفوظ»!
2017-02-08
مكتبة الإسكندرية: معاً ضد التطرف
2017-02-01
رفسنجاني.. غياب المعتدل المنافس
2017-01-11
الخميني.. وسوء معاملة غير المسلمين
2017-01-04
المزيد

 
>>