First Published: 2016-04-07

خيانة الامل

 

ذا ما كان فشل الجماعات الدينية في ادارة شؤون المجتمع متوقعا فإن ما لم يكن متوقعا أن تعترف تلك الجماعات بفشلها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

بين أن تكون الانظمة (الوطنية) العربية قد فشلت أو تكون قد أفشلت مسافة لا تُرى. هناك فرق بين الوضعين بالتأكيد، غير أن ذلك الفرق لا يصلح أن يكون ذريعة لتبرير الفشل في اي حال من حالاته. فالأنظمة التي سمحت للآخرين بأفشالها هي أنظمة فاشلة أصلا. أي انها تحمل بذرة الفشل داخلها.

أما حين تهاوت تلك الأنظمة فإنها أخذت معها كل عناصر خبرتها في اخضاع الشعوب والهائها وتمرير الوقت من أجل أن لا يكون ذلك الفشل مرئيا وكان الامل من بين أهم تلك العناصر.

هل كان الامل الذي أنعش حياة الشعوب في العالم العربي عبر نصف قرن برذاذ تكهناته مجرد كذبة اخترعتها الاجهزة الدعائية التابعة لتلك لانظمة؟

من المحتمل أن يكون الامر كذلك.

وإلا ما الذي يجعل فئات كثيرة من تلك الشعوب تستسلم للقبول بالاحزاب والتبارات الدينية المتطرفة والمعتدلة على حد سواء والتي لم تكلف نفسها يوما عناء تضليل قاعدتها الشعبية بالأمل، مكتفية بالوصفات الجاهزة التي تعد الصالحين من الاتباع بحياة سعيدة في حقبة ما بعد الموت.

ليس صحيحا إذن أن حالة الصعود التي عاشتها الجماعات الدينية المتطرفة مردها إلى قدرتها على اقناع الشباب بسلامة برامجها من أجل اصلاح ما فسد من أساليب العيش وتقويم ما أعوج من طرق التفكير وصولا إلى الحياة الفاضلة.

فلو كان ذلك صحيحا لما لجأت تلك الجماعات إلى اقناع أتباعها بأفضلية الموت انتحارا على بناء الحياة كدحا والمقاومة صمودا. ما اشاعته تلك الجماعات بين أتباعها من ياس من الحياة ومن ازدراء لفكرة استمرار الآخرين في العيش انما يعكس رغبة أولئك الأتباع في أن لا يروا مجتمعا يسعى إلى تدارك أخطاءه في البناء السياسي بعد أن سُدت أمامهم أبواب الامل.

أتوقع أن كثيرا من الشباب الذين أغوتهم الجماعات الدينية هم ضحايا حالة الغموض التي نتجت عن ذلك الفشل الذي اقفلت الانظمة الوطنية عليه طريقها في تصريف شؤونها بعد أن أدركت عمق الهوة التي تفصل بينها وبين ما كانت توهم نفسها وشعوبها بقرب الوصول إليه.

في لحظة ما فقدت الحبوب المخدرة اتي كانت الدعاية الرسمية توزعها على "الجماهير" قدرتها على التأثير المطلوب. وهي اللحظة التي شعرت الجماعات الدينية بأنها مؤاتية لخروجها من أقبيتها السرية والقبض على المجتمع وهو في أشد حالاته ضعفا ورثاثة.

ما حدث كان أكثر يسرا مما تخيلته زعامات تلك الجماعات.

فما لم يكن يتوقعه أحد في العراق على سبيل المثال أن يتصدر مرشحو حزب الدعوة الاسلامي قائمة الفائزين في أول انتخابات يشهدها العراق في ظل الاحتلال الاميركي. المفاجئ في الامر أن المزاج الشعبي في العراق لم يكن قبل الاحتلال دينيا. فما سر ذلك الاستسلام الذي جر البلاد إلى كارثة، إن لم تكن أسوأ من كارثة الاحتلال فإنها تدانيها في ما ستتركه من آثار سلبية على مستقبل العراق؟

في الوقت الذي قطفت حركة النهضة أول ثمار الثورة التونسية فإن جماعة الاخوان صعدت على أكتاف الشباب المصري المتمرد الذي لم يرفع في تظاهراته شعارا دينيا واحدا. أما في سوريا فإن الارهاب الديني وأد الثورة في أشهرها الأولى وسار بها إلى حتفها.

وقد يكون من المؤلم السؤال عن حجم الامل الذي خلفه الاخ القذافي في نفوس رعايا جماهيريته التي انقرضت. لقد كان نظام القذافي نموذجا مثاليا في خيانته للأمل الذي كان واحدة من أهم صناعاته الوطنية.

وإذا ما كان فشل الجماعات الدينية في ادارة شؤون المجتمع متوقعا فإن ما لم يكن متوقعا أن تعترف تلك الجماعات بفشلها من أجل أن تهب المجتمع فرصة للعودة إلى سويته. كانت حركة النهضة في تونس استثناء لا يتكرر.

وكما أرى فإن في شعوبنا ستظل عاجزة عن التماهي مع ارادتها ما لم تهتدِ إلى الطريق التي تقود إلى الامل، الذي لن يكون كذبة هذه المرة.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الحل في مصر أيها القطريون
2017-06-24
المتغير السعودي واستحقاقات العصر
2017-06-22
جنرالات بعمائم في إيران
2017-06-21
الحفلة الإيرانية قادمة
2017-06-20
الحل هو القضاء على الإرهاب لا إعادة تعريفه
2017-06-19
كذبة الممانعة وسياسة التناقضات
2017-06-18
إيران بلد الخرافات
2017-06-17
حين ينتقم العراقيون من أنفسهم
2017-06-15
هل تنتهي الحرب في سوريا بغياب قطر؟
2017-06-14
لغز العلاقة بين قطر وإيران
2017-06-13
المزيد

 
>>