First Published: 2016-04-07

الجانب السياسي في 'أوراق بنما'

 

التركيز على الشخصيات في الشرق الأوسط يشي بالكثير من اهداف اكبر تسريب للوثائق في التاريخ.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

لم يعد أحد في مأمن من العقاب، طالما ارتكب خطأ، معلنا أو خفيا. هذا هو ملخص الفضيحة المدوية التي كشفت عنها التسريبات المعروفة بأوراق بنما، وهزت العديد من دول العالم، بعد الحصول على أكثر من 11 مليون وثيقة من أحد مكاتب المحاماة في دولة بنما.

قصة الحصول على الوثائق طويلة، وقراءتها وانخراط نحو مائة وسيلة إعلامية في تحقيقها تشبه أفلام هوليود، فقد شاركت في أكبر تحقيق استقصائي في التاريخ جهات من الشرق والغرب، ومن الشمال للجنوب، ولم يشعر غالبية سكان الكرة الأرضية على مدار عام أو أكثر، بأن هناك فضيحة من العيار الثقيل يتم التجهيز لها.

لذلك تبدو المسألة أبعد من كونها فضيحة مالية طالت أشخاص وشركات، وأكبر من اعتبارها قضية فساد أو تهرب من الضرائب. فالجزء الاقتصادي الواضح، يخفي وراءه جوانب سياسية وأمنية غاطسة، والجهة أو الجهات الخارقة التي تمكنت من الحصول على ملايين الوثائق، وهي صحيحة، من المؤكد ليس غرضها تطهير العالم من الفساد، وإشاعة روح العدالة والمساواة وتطبيق القانون على رقاب الفاسدين، لكن بالطبع لها أهداف أبعد من ذلك.

هذا بافتراض أن التهرب من الضرائب بهذه الطريقة يخضع لطائلة القانون، لأن هناك تفسيرات ذهبت إلى أن عددا كبيرا من هذه العمليات له مشروعية قانونية يصعب التشكيك فيها، بالتالي علينا البحث عن المرامي الحقيقية.

وإذا أراد الفريق الكبير من النبلاء أن يخلص البشرية من الأشرار، كان بإمكانه أن يتفرغ لفضح أنواع مختلفة من الفساد، ربما تكون أشد شراسة وأكثر جدوى، لكن لأن الهدف الظاهر لهذه الضجة يكمن في إحداث هزة عالمية، تثير الانتباه إليها، وتلفت الأنظار بعيدا عن قضايا حيوية، تم اختيار توقيت الكشف عن الفضيحة بعناية.

في هذا السياق، ثمة مجموعة من الأسئلة التي راودتني، أبرزها لماذا تم الكشف عن أقل من 1 في المئة تقريبا من جملة الوثائق الهائلة؟ وإذا كان العام الذي مضى فيه فريق التحقيق الاستقصائي غرضه التأكد من صحتها، لماذا لم يفضح المزيد من الأشخاص؟ وإذا كانت النية حسنة بالفعل لماذا ركزت الوثائق المعلن عنها حتى الآن على دول وأشخاص في منطقة الشرق الأوسط أو على علاقة بها؟

هل لذلك علاقة بما يتم ترتيبه لمستقبل هذه المنطقة؟ وهل المقصود شغلنا بالفضيحة عن مخططات جاهزة يتم تهيئة الأجواء لتدشينها؟ وهل المقصود التلويح بوسائل ضغط يصعب صدها أو ردها، عندما تم عن عمد إثارة الغبار حول عدد من الشخصيات السياسية في دول منهمكة أو مهتمة بملفات ساخنة؟ وهل إشهار هذا النوع من السيوف يصلح ليقطع دابر أي فساد في العالم أم أن الحكاية تقف خلفها اعتبارات أخرى، وتصل إلى ما وصلت إليه وثائق ويكليكس، حيث تصور كثيرون أنها تنطوي على أسرار ثمينة، وانتهت إلى كشفها عن مكاتبات معظمها يمكن وصفه بـ "العادي"، وأن قيمتها بدأت تتراجع بمضي الوقت، لذلك هل أراد من كشفوا عن "أوراق بنما" استكمال المسيرة بطريقة مغايرة؟

الأسئلة التي تطرحها الفضيحة الجديدة لا تتوقف، وإذا جرى مدها على استقامتها، تصل بنا إلى أسئلة أقل بساطة لم ينشغل بها من حاولوا الترويج أنهم سخروا أنفسهم لإنقاذ البشرية، وتنقيتها من الفاسدين، فلماذا تجاهل هؤلاء الكشف عن حركة غسيل الأموال التي يقوم بها رجال أعمال وساسة في دول مختلفة من العالم؟ ولماذا صمتوا عن التحويلات المالية التي تقوم بها جماعات متشددة بين قارات العالم؟

ألم يكن تتبع هذه النوعية من الأعمال القذرة والكشف عنها يمكن أن يساعد في توفير المزيد من الأمن والاستقرار، أم أن القضية تتجاوز ذلك، وليذهب السلام إلى الجحيم؟

العبر والدروس التي تقدمها وثائق بنما كثيرة، والنتيجة التي سوف تصل إليها ربما لا تتجاوز الشو الإعلامي الذي يتسابق حول فك بعض الألغاز التي تحملها، لكن في النهاية يمكن التوقف عند ثلاثة محددات رئيسية، تبين أن العولمة تضرب في جميع مناحي الحياة.

الأول، سوف يظل الإعلام بأنواعه المختلفة ولفترة طويلة المحرك الرئيسي لكثير من القضايا السياسية والاقتصادية، كما أن الملفات الأمنية لن تكون بعيدة عنه، حيث راجت عمليات التشويش ونشر المغالطات لهز أركان بعض الدول، كما أن تعدد وسائله وصعوبة السيطرة عليها تحولت إلى أداة قوية في أيدي بعض القوى التي تتحكم في تحديد ما يمكن وصفه بـ "جدول أعمال العالم"، ومحاولة رسم أدق تفاصيله، وفقا لحسابات وتقديرات القائمين عليه.

منذ انفجار فضيحة "أوراق بنما" والعالم تقريبا أصبح مشغولا بها، وبما تحمله من دلالات على مستويات مختلفة، وهناك دول كثيرة مشغولة بالبحث عن أدوات للإفلات من هذه المقصلة، التي يمكن أن تجرف أمامها أشخاصا وكيانات كانت تتصور أنها راسخة.

ثانيا، دحض خرافة قدرة الدول على فرض قبضتها على الفضاء الاليكتروني، فالطريقة التي تم بها هذا التحقيق تشي بصعوبة الترويض، وأن الوسائل المتباينة ضاعفت من استبعاد تطبيق فكرة السيطرة أو الاستحواذ، فالحركة السريعة التي تعمل بها مواقع التواصل الاجتماعي، والاختراعات الجديدة التي تمكن المستخدمين من تجاوز الخضوع للرقابة، قللت من جدوى السياسات التي تشرع بعض الدول في سنها، للتخلص من منغصات التواصل الاجتماعي.

ثالثا، التحركات الجماعية، أو "المعولمة"، إن صحت الكلمة، جعلت من التصورات والممارسات الفردية قليلة القيمة، الأمر الذي يدفع في المستقبل إلى الحرص على أن تكون التصرفات على نطاق أكثر من دولة، ولعل الجهود التي تتم على صعيد ملف الحريات وحقوق الإنسان، تعزز فكرة المبادرات الجماعية، وهو ما يضيق الخناق حول رقاب الدول التي تعتقد بإمكانها الإفلات من العقاب، وأن الأساليب الملتوية لم يعد لها مجال، من هنا يظهر جليا البعد السياسي في "أوراق بنما".

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
تغيير وجه السودان سياسيا
2017-03-30
إغلاق صفحة أوباما مع مصر
2017-03-23
معركة تحرير العراق من إيران
2017-03-16
المزيد

 
>>