First Published: 2016-04-07

لقد رأيتُ مسلما حقيقيا في حياتي ولم يكن متطرفا

 

الاسلام دين ضخم لا تؤثر فيه سياسة ولا عصابة. الانحراف لا يؤثر في هوية كبيرة لها وزنها في التاريخ البشري.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

جدي الحاج تركي نيّف على المئة فهو مواليد عام 1914 لا ضغط ولا سكر ولا قلب، وحين نسأله كيف أنه مازال يتذكر كل شيء؟ يقول هناك حديث للرسول بأن قراءة القرآن في الشباب تحفظ العقل في الشيخوخة. هذا الرجل قد ولد مواطنا عثمانيا في البصرة، ومرت عليه قصص عجيبة، عهد ملكي وجمهوري وديمقراطية، كان يضحك من القومية ويقول لا يوجد ميشيل عفلق في القرآن الكريم.

الحاج تركي أرجع سبب صحته وحياته المديدة الى الطريقة القويمة، فلا زنى ولا خمر ولا تدخين ولا سهر. الرجل ينام باكرا ويفيق باكرا يقرأ القرآن ويعمل بالحقل ويصلي خمس مرات ولا يظلم ولا يعتدي، ويُكثر من السلام وملاطفة الناس وذكر الله.

لا يخاف من الموت ويعتبره مكملا للحياة لكن اكثر ما يـضحكه هو وفاة أطبائه خصوصا المتخصصين من لندن. تدمع عيناه من الضحك ويقول "ما نفعتهم العقاقير، انك ميّتٌ وانهم ميّتون". مرة ذهب ابي الى بغداد دون اخبار أحد، الحجي اشترى "دلال الگهوة والچادر" وحين عاد ابي وجده جالسا مع شيوخ القرية يتناقشون بهدوء أين المكان الأنسب لخيمة العزاء. وأكثر شيء يثير الضحك هو حين يحمل جدتي الى المستشفى ويأخذ معه أوراقها، فهو يفكر بأنها ستموت ولا يريد العودة لأجل الوثائق، هنا تنشب حرب ضروس بينهما.

ان المثير في ذلك الجيل هو تقبلهم للاكتشافات الحديثة كالكهرباء والمروحة والثلاجة والسيارة والراديو والتلفزيون، أشياء لم تكن موجودة ودخلت حياتهم. ومن هنا جاء تقديسهم للعلوم ورغبتهم بتعليم أبنائهم. الا أنه مهما تبدّلتْ الحياة كان الحاج تركي وثيق الصلة بالنبي محمد، وهو حقاً أعز عنده من كل أولاده وبناته وأحفاده. وفي نهاية المطاف الكل تركوه وبقي معه النبي؛ أبوه الروحي والثقافي.

أستطيع أن أقول بأنني رأيت "مسلما" في حياتي من خلال هذا الرجل، فنحن نسمع بالمسلمين كثيرا ونادرا ما نلمح واحدا منهم. دائما كنت أتساءل اذا كنت معجبا بهذا الرجل الى هذه الدرجة لماذا لم أستطع أن أكون مثله؟ في الحقيقة إن العيش على طريقة الحاج تركي قضية صعبة جدا، ولم أعرف السبب حتى قرأت عبارة لشيخ المنفيين الفيلسوف أدورنو يقول "لا يُمكن للحياة غير القويمة أن تُعاش على نحو قويم.

لقد تقبل الحاج تركي أولاده الشيوعيين والقوميين ولم يتبرأ منهم، ولم يعاقب أحدا منهم اذا شرب الخمر بغير النصح اللطيف ولكنه طبعا يصلي ويمنع دخول الخمر الى بيته "بيتي مو ماي خانه" هناك أمور كهذه بتشدد بها. إن الحياة القويمة غير متعلقة بالذكاء والمعرفة، بل متعلقة بذلك الشيء الذي يسميه أسلافنا "عناية الله".

الاسلام دين ضخم لا تؤثر فيه سياسة ولا عصابة. الانحراف لا يؤثر في هوية كبيرة لها وزنها في التاريخ البشري. من افريقيا الى أوروبا الى شمال اميركا، دين منظم وثري وفي كامل فتوته. هناك حاجة أبدية لهذه الأشياء، انها جزء من غموض الوجود الانساني. أوروبا الشرقية والاتحاد السوڤيتي مثلا هدموا الكنيسة وأعلنوا الإلحاد الا أنه بعد سبعين سنة عادت الكنيسة.

احيانا يعجبك أن تقول شيئا فيخونك التعبير. لا يوجد بلد في العالم ليس فيه اتباع للنبي محمد، لماذا شاب مسلم يحاول الاصطدام بشيء كبير كهذا؟ انه جزء من وجود الانسانية وحقيقة كالفصول. المطلوب من الشباب أن يدرس ويعمل ويعتني بأسرته. هل تستطيع القيام بمهمة كبيرة مثل هذه؟ هل تستطيع ان تشارك امرأة حياتك بنجاح؟ هل تستطيع الاحتفاظ بابتسامة رضى على وجه ابنتك؟ لقد نجح الحاج تركي مثلا في هذا الاختبار.

ان حياة الانسان في منتهى الشقاء، حتى لو تم توفير كل وسائل الرفاه والأمان فان وجوده عسير، يكفي أنه يمتلك عقلا ويعرف حقيقة موته المحتوم. الانسان مكافح وبطل وفي حالة مواجهة دائمة مع الطبيعة والقدر، الا أنه أحيانا يضل الطريق. هذه الضلالة في التاريخ هي العصور المظلمة وداعش والاسلام السياسي والتطرف.

وليست الأمم فقط تمر بعصور مظلمة، حتى الانسان يمر بعصر مظلم من حياته. لهذا على الانسان أن يسامح أخيه الانسان حتى تكون هناك دائما فرصة جديدة وأمل. سيدة إيطالية طاعنة في السن تقول لي "لم يعد بإمكاننا القيام بأشياء كبيرة كل ما يمكننا القيام به كبشر؛ هو تلك الأشياء الصغيرة التي يصادف أحيانا أن يكون لها معاني كبيرة."

لقد تذكرت الحاج تركي هذا اليوم بسبب ما قالته هذه السيدة الإيطالية. فهو لم يكن وزيرا ولا تاجرا كبيرا، مجرد رجل نجدي هاجر أبوه الى البصرة واستنبط الأرض وعاش حياته ببساطة. انه يفهم الوطن على أنه علاقة بين بستان النخيل والقرآن الكريم، وقد أثرت أفكاره بكل أبنائه وأحفاده أكثر من جميع الكتب والمدارس والشخصيات التي مررنا بها. لأنه ببساطة جعل من حياته مثالا لأسرته، حتى لو أن ذلك المثال لم يُحتذى. وكان أكثر ما يُردد من الشعر هو بيت المتنبي:

وَمَنْ صَحِبَ الدنيا طويلا تَقلّبَتْ

على عينهِ حتى يرى صدقها كِذْبا

 

أسعد البصري

الاسم عمار الحلي
الدولة سلطنة عمان

المشكلة أن أمثال الحاج تركي أصبحوا اقلية

2016-04-07

الاسم عبدالله العراقي
الدولة بلاد المنفى

العنوان ذكرني بفيلسوف اغريقي(ديوجينيس)الذي خرج يوما في وضح النهار يحمل بيده قنديلا(مصباحا)وعندما سئل عما يفعل أجاب:أبحث عن إنسان.فهل لازال الانسان المثقف النزيه الخلوق المحب لوطنه واهله وجيرانه والسلام العالمي(منه اشتق كلمة الاسلام)نسلا مطلوبا؟

2016-04-07

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
الخميني وشعار الموت لإسرائيل
2017-02-02
هل ظلمنا الرئيس عبدالفتاح السيسي؟
2017-01-03
دونالد ترامب، أو غضب الرجل الأبيض
2016-11-23
المزيد

 
>>