First Published: 2016-04-08

لبنان يقاوم المشروع الايراني

 

يقود سعد الحريري حملة تستهدف منع ايران من الاستفراد بلبنان. يعرف تماما ماذا يعني عزل لبنان عن محيطه العربي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

من بين الاهداف التي وضعتها ايران لنفسها في لبنان، تحويل البلد الى جرم يدور في فلكها. لذلك حرصت في السنوات القليلة الماضية على ان يكون وزير الخارجية اللبناني موظّفا برتبة مدير عام في الخارجية الايرانية. وهذا ما كشفته المواقف الاخيرة للوزير جبران باسيل الذي كان صوت ايران في الاجتماعات العربية والاسلامية.

هذا ما تنبّهت اليه دول الخليج العربي التي اتخذت مواقف واضحة تدعو اللبنانيين الى تحمّل مسؤولياتهم. في نهاية المطاف، لا تقتصر الهيمنة الايرانية على وزارة الخارجية، بل تتعدى ذلك بكثير وتغطي معظم مؤسسات الدولة. من دون ان يعني ذلك ان لبنان استسلم نهائيا للقدر الايراني. لبنان لا يزال لبنان يقاوم. ثقافة الحياة ما زالت تقاوم ثقافة الموت التي يسعى "حزب الله" الى جعلها تعمّ البلد بكلّ الوسائل المتاحة معتمدا على سلاحه غير الشرعي اوّلا.

في سياق ما اثارته فضيحة شبكة الانترنت في لبنان، يسأل احد نوّاب "حزب الله" كيف دخلت اجهزة لها علاقة بالشبكة العنكبوتية، من دون علم الاجهزة المختصة، الى لبنان ومن سمح بذلك؟ لماذا لا يسأل كيف دخل سلاحه غير الشرعي، بما في ذلك الصواريخ، الى البلد ومن سمح بادخاله من اجل ان يصبح اللبنانيون الشرفاء ومؤسسات الدولة ومرافقها تحت تهديد هذا السلاح؟

كانت زيارة الرئيس سعد الحريري لموسكو واللقاء الذي عقده مع الرئيس فلاديمير بوتين جزءا لا يتجزّأ من هذه المقاومة اللبنانية التي تعني اوّل ما تعني مقاومة المشروع التوسّعي الايراني. ذلك ان اثبات وجود لبنان، او ما بقي من الدولة، في الساحة الدولية فعل مقاومة قبل ايّ شيء آخر.

يدلّ اللقاء بين سعد الحريري والرئيس فلاديمير بوتين على ان لبنان ما زال موضع احترام لدى كثيرين في العالم.

لبنان ما زال موجودا. ليس سهلا على بوتين ان يجد وقتا لاستقبال شخصية لا تشغل موقعا رسميا. لا شيء يحدث بالصدفة. من هذا المنطلق، يعتبر استقبال الرئيس الروسي لسعد الحريري تكريما للبنان قبل ايّ شيء آخر.

يظهر هذا الاستقبال انه لا يزال صعبا الغاء البلد وتحويله الى مجرّد تابع لايران، على الرغم من تراكم الفضائح بكلّ انواعها واشكالها، بدءا بفضيحة الانترنت والنفايات والدعارة والمتاجرة بالبشر والاهمال الذي يتعرّض له مطار رفيق الحريري... وصولا الى الفضيحة الاكبر المتمثلة بمنع "حزب الله" اللبنانيين من ان يكون لديهم رئيس للجمهورية.

كان لا بدّ من البدء من مكان ما. هذا المكان هو اثبات وجود لبنان الذي هو وجود لبقايا مؤسسات الدولة التي يستطيع العالم التعاطي معها. لذلك، لم يكن صدفة التحاق نهاد المشنوق وزير الداخلية بالوفد المرافق لسعد الحريري في موسكو.

زار نهاد المشنوق قبل ذلك لندن حيث حصل على دعم بريطاني قوي للمؤسسة الامنية. جاء الدعم البريطاني لقوى الامن الداخلي، التي لا تزال بين المؤسسات القليلة للدولة التي تعكس وجود نواة لدولة في لبنان، دليلا على ان المجتمع الدولي لم يتخل نهائيا عن البلد. في آخر المطاف، يعتبر دعم قوى الامن بمثابة فعل ايمان بلبنان المتعدّد والمتنوع وقدرته على النهوض يوما.

على الرغم من كلّ العراقيل التي يضعها "حزب الله" في وجه اعادة الحياة الى الدولة اللبنانية وجعلها تحت سيطرة ايران، لا يزال في العالم من هو مستعد للتعامل مع لبنان في ظلّ ظروف صعبة وتعقيدات ذات طابع داخلي واقليمي في آن.

هناك تفهّم روسي لأهمية انتخاب رئيس للجمهورية ولخطورة استمرار الفراغ في لبنان. وهناك ايضا توجّه روسي محدّد بالنسبة الى سوريا. يقوم هذا التوجه على السير بموجب خطة الطريق التي رسمها قرار مجلس الامن وصولا الى انتخابات رئاسية في اجواء حرّة تشرف عليها الامم المتحدة. من المهمّ الاستفادة مما لدى موسكو تقوله عن تدخلها في سوريا، خصوصا في ظلّ التنسيق الاميركي ـ الروسي في هذا المجال، وهو تنسيق لم يعد خافيا على احد.

لا يزال هناك من يعمل من اجل المحافظة على لبنان وحمايته. ليس سرّا ان روسيا لاعب اساسي في المنطقة، بل صارت اللاعب الاساسي في سوريا. لماذا عدم الاستفادة من الدعم الذي يمكن ان توفّره للبنان، خصوصا في مجال السعي الى انتخاب رئيس للجمهورية؟ لماذا ايضا الامتناع عن معرفة ما لديها عن الوضع السوري، خصوصا انّها دخلت في مرحلة اعادة بناء الجيش في هذا البلد بعيدا الى حدّ كبير عن التدخلات الايرانية. هناك تنسيق روسي ـ ايراني في مجالات معيّنة. هذا واقع. لكنّ هناك اختلافا بين الجانبين في مجالات معيّنة، خصوصا ان روسيا مصرّة على اعتبار الجيش السوري "ابنا شرعيا لها". وهذا ما يفسّر ذلك الاصرار على المحافظة على الجيش تفاديا لتكرار التجربة العراقية في سوريا. انها تجربة كانت ايران اول المستفيدين منها، اذ حلّت ميليشياتها المذهبية مكان الجيش العراقي.

ليس كثيرا على لبنان ان يكون فيه من يعمل من اجل كسر طوق العزلة التي يحاول "حزب الله" المتورط في الحرب على الشعب السوري فرضها عليه. يقود سعد الحريري حملة تستهدف منع ايران من الاستفراد بلبنان. يعرف تماما ماذا يعني عزل لبنان عن محيطه العربي، اي محيطه الطبيعي وجعله ورقة تستخدمها ايران، الطامحة الى علاقات متميّزة مع "الشيطان الاكبر" من عقد صفقات مع هذا "الشيطان".

كانت زيارة موسكو افضل دليل على انه لا يمكن عزل لبنان وان الدويلة التي اقامها "حزب الله" لا يمكن ان تنتصر على الدولة اللبنانية.

هذه الدولة اللبنانية ما زالت تقاوم ولا يمكن ان تنطلي عليها بأي شكل الشعارات المزيّفة التي يطلقها "حزب الله" ومن خلفه ايران. فالحريص على لبنان لا يذهب الى القتال في سوريا من منطلق مذهبي بحت. والحريص على لبنان لا يضع سلاحه فوق سلاح الشرعية. والحريص على لبنان لا يعمل كلّ ما يمكنه اثارة الغرائز المذهبية في منطقة تقف على كفّ عفريت.

الحريص على لبنان لا يجعل العرب يتفادون لبنان ولا يعتدي على مكاتب مؤسسة صحافية مثل "الشرق الاوسط" ولا يهاجم المملكة العربية السعودية واهل الخليج العربي.

الحريص على لبنان ينزل الى مجلسّ النواب وينتخب رئيسا للجمهورية. كلّ ما عدا ذلك يدخل في سياق الحرب التي تشنّها ايران على الوطن الصغير وعلى كلّ ما هو عربي فيه وفي المنطقة.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
ايران والكلام الاميركي السليم والجميل
2017-10-23
الفصل ما قبل الأخير في صنعاء
2017-10-22
هزيمة كركوك لم تطو المشروع الكردي
2017-10-20
الملك و'الزلزال السياسي' في المغرب
2017-10-18
اميركا تعيد اكتشاف ايران
2017-10-16
تصالح الفلسطينيين مع الواقع والحقيقة
2017-10-15
مآل 'ثورة أكتوبر'... مآل النظام الايراني
2017-10-13
بعد انتصار الحوثيين على علي عبدالله صالح
2017-10-11
الغاء الاتفاق مع ايران... من دون الغائه
2017-10-09
عن كذبة إعادة اعمار سوريا
2017-10-08
المزيد

 
>>