First Published: 2016-04-09

هل صار العراق جميلا بعد صدام؟

 

الوعد في أن يكون العراق جميلا بعد صدام حسين كان واحدة من أعظم أكاذيب عصرنا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

هناك مَن يقول أن صدام حسين الشيخ هدم ما بناه صدام حسين الشاب في العراق.

هذه حقيقة يختلف عليها العراقيون غير أن الحروب التي دخلها الرجل طوعا وكراهية سلمت العراق إلى خراب، لم يكن اصلاحه بالأمر اليسير.

اما الاحتلال الاميركي الذي وقع عام 2003 وانهى حكم صدام فإنه إذا إن لم يكن قدرا، فإنه بالتأكيد لم يكن من صنع صدام، كما يدعي البعض من معارضيه الذين تراجعوا عن حماستهم للإحتلال ليكتفوا بإدانة النظام السابق.

ما يجب الاعتراف به أن تسعينات القرن الماضي بما حفلت به من تغير متسارع في الفكر السياسي العالمي، بعد سقوط العقائد الكبرى كانت أكبر من أن يهضمها عقل تبسيطي استسلم لما أعتقده بداهة عيش مثل العقل السياسي العراقي. لذلك كانت سخرية العراقيين على أشدها من فكرة "نهاية التاريخ" فيما كانوا يخرجون من التاريخ، من غير اذونات عودة.

كانت الكويت، بإحتلالها وتحريرها جزءا صغيرا من المشهد الذي لم تكن السياسة إلا واجهته، فيما كان صغار العسكر بمثابة مدوزني إيقاع في نشيده.

كان الانفصال يومها واضحا بين ما انتهى العالم العربي إليه وكان العراق هو الجزء المهشم منه، وبين ما بدأ العالم في التأسيس له من علاقات دولية جديدة، لا تستند إلى المبادئ والأخلاقيات التي صُعق صدام حين اكتشف أنها لم تعد موجودة.

كان حديثه عن الغدر بمثابة تلويحة وداع مؤسفة لزمن غادره.

في الحقيقة لم يكن لدى صدام ما يفعله بعد أن انتهت مغامرته في الكويت إلى فشل، جر البلاد التي يحكمها إلى ما يشبه الحرب الاهلية. ولكن ما لم يصلحه صدام في حياته لم يقوَ على اصلاحه أحد ممن حكموا العراق على انقاض نظامه.

كانت معارضته مثله يائسة لولا أن نفخت الولايات المتحدة فيها روح الامل. وهو أمل سيتضح في ما بعد أنه عبارة عن مجموعة من المنافع الرخيصة والصفقات الفاسدة التي لا تبني وطنا ولا تحمي شعبا ولا تؤكد حقيقة.

لقد بنى معارضو صدام دولة فاشلة على أنقاض دولته.

المؤلم في الامر أن الاميركيين الذين كانوا مصرين وهم يشنون حربهم من أجل اسقاط النظام العراقي على القول بإن العراق سيكون جميلا حين يختفي صدام حسين لم يعد يعنيهم ميزان القبح والجمال وهم يشهدون بأعينهم وضاعة وابتذال ورخص ما انتهت إليه الأحوال في العراق على أيدي ثلة من النصابين والمحتالين واللصوص وقطاع الطرق والافاقين والفاسدين.

ما لم تتعرف عليه الأجيال العراقية الحالية من حقائق قد تم طمسه بقوة القبح التي أحلتها سلطة الاحتلال محل ارادة العراقيين في استعادة ما فقدوه من جمال بلدهم بسبب الحروب التي انشغل بها صدام حسين عن مشروعه في بناء عراق قوي، بشعب ثري ومتعلم، صحيح الجسم ومستقيم العقل. وكانت تلك أحلامه شابا.

كان العراق جميلا قبل صدام حسين. معه استعاد ثروته النفطية وبدأ نهضته العلمية ومتنت بنيته التحتية وقوي جيشه وتطور صناعيا وزراعيا وبحثيا. كان يعد العدة للانتقال إلى مصاف الدول التي غادرت العالم الثالث لولا أن القدر كان له بالمرصاد. فما أن جلس الخميني على كرسي العرش الشاهنشاهي في ايران حتى بدا واضحا أن لحظات النحس ستمضي بالعراق إلى حيث ما لا يريد صدام حسين.

لقد بدا صدام حسين مُسيرا وليس مُخيرا.

حين بدأ الرجل بعسكرة الدولة والمجتمع اختفى شيء من جمال العراق.

في نهايات حكمه لم يكن العراق جميلا. ولكن هل استعاد العراق شيئا ولو قليلا من جماله بعد اختفائه؟

في كل المقاييس فإن العراق اليوم لا يمت إلى الجمال بصلة، فهو يفاجئ محبيه بقبحه في كل لحظة. فسياسيوه الحاليون ليسوا على استعداد للتخلي عن مصالحهم الشخصية من أجل أن يستعيد شيئا من كرامته المهدورة.

الوعد في أن يكون العراق جميلا بعد صدام حسين كان واحدة من أعظم أكاذيب عصرنا.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'
2017-11-18
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
إيران هي العدو الأول للعرب
2017-11-11
بعد صاروخها الحوثي لن تنجو إيران من العقاب
2017-11-09
عراق الملل والنحل الذي دفنه أبناؤه
2017-11-08
الحريري خارج القفص الإيراني
2017-11-07
الحريري زعيما لكن بشرط الاستقالة
2017-11-06
المزيد

 
>>