First Published: 2016-04-10

طبعة ثمينة

 

لا يمكن تمويل الصحافة بطريقة الرعاية القائمة، ولا يمكن تكرار آلية عصر المشاهد والقارئ التقليدي. الصحف تعيش في سوق مريضة، لكن لا طبيعة العلاج ولا طريقة تقديمه تنبئان بشيء من الثقة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

قبل ستة أعوام فجّر رئيس مجموعة التلغراف البريطانية غريغ هادفيلد “قنبلة إلكترونية” على طاولة الصحافة الورقية معلنا استقالته بقول “لا مستقبل للصحافة الورقية، لذلك قررت ترك وظيفتي”.

وحث هادفيلد الذي سبق وأن عمل رئيسا لتحرير صحيفة صنداي تايمز الإعلاميين على أن يكونوا أكثر جرأة بقوله “إن المستقبل هو أكثر تنوعا، ليس ثمة انفصام أو قطيعة بين العمل الصحافي والتقني”. مؤكدا أن المستقبل هو للصحافة الفردية وليس لوسائل الإعلام الكبرى.

ليس مهما ما حققه هادفيلد خلال الأعوام الستة الماضية بعد تركه العمل الصحافي فهذا خياره في العمل الإعلامي الفردي، لكنه قدم درسا وإن كان عابرا في مثل هذه الاستقالة، لأنه ببساطة لا يمكن تمويل الصحافة بطريقة الرعاية القائمة، ولا يمكن في الوقت نفسه تكرار آلية عصر المشاهد والقارئ التقليدي.

هذه المتراجحة القلقة التي تعيشها الصحافة المطبوعة جعلت أصحاب القرار والناشرين يفقدون المسار الناجع وهم يدفعون صحفهم مرغمين إلى “السوق المريضة”.

الصحف تعيش في سوق مريضة، لكن لا طبيعة العلاج ولا طريقة تقديمه تنبئان بشيء من الثقة. فسبق وأن خلصت دراسة أعدها “بيو ريسيرتش سنتر” إلى أنه “في مقابل كل دولار يكسب على الصعيد الرقمي، تتم خسارة سبعة دولارات من النسخ الورقية”.

وكل ما يُقدم عليه في إعادة استقطاب القراء للصحف الورقية بعد أن تغير سلوكهم وصار من المستحيل العودة بهم إلى الوراء، لا يفضي إلى الأمل.

صحفية مثل التايمز وشقيقتها الأسبوعية صنداي تايمز، تمثلان الثقافة العالية مقابل الصحف الشعبية الناطقة بخطاب الثقافة الواطئة، تعملان منذ خمسة أعوام بطريقة تقديم المحتوى الرقمي المدفوع في بلد مثل بريطانيا مازال فيه سبعة ملايين شخص يشترون الصحف الورقية. بينما يتم توزيع مليوني نسخة مجانية من الصحف اليومية.

هاتان الصحيفتان ستقدمان على ما أسمتاه التخلص من الثرثرة والتكرار والاكتفاء بتجديد موقعهما الإلكتروني ثلاث مرات يوميا فقط.

الفكرة تبعث على التساؤل: بدلا من أن يجد الجمهور المحتوى الرقمي المتغير طوال اليوم، ستتوفر له ثلاثة تحديثات رقمية، الأول في منتصف الليل وهو غالبا ما ستكون أخبار الليلة الفائتة، والثاني في التاسعة صباحا، أما الثالث فسيكون في الخامسة مساء، تماما مع ساعة انتهاء عمل الموظفين. وبطبيعة الحال فإن هذه التحديثات ستكون خاضعة للاستثناءات في حال وقوع أحداث ضخمة.

ولنا أن نتخيل كم كان لدى الصحيفة من مستخدمين، وكم سيكون لديها بعد أن تفرض عليهم بشكل واقعي تصفح موقعها ثلاث مرات يوميا إن رغبوا في ذلك فعلا.

محررو التايمز يعتقدون أنهم سيكسرون نموذج النشر القائم على التكرار والسماح لهم بإنتاج قصص أكثر في موعد متجدد وثابت. فالأخبار العاجلة باتت إلى حدّ ما سلعة متوفّرة للجميع، عبر المواقع الإلكترونية والمنصّات التي تستطيع بسهولة أن تسبق الصحيفة، لذلك قرّروا التركيز على إضافة التحليل والعمل على مضمون الخبر.

مثل هذا التحدي يصفه رئيس تحرير التايمز جون ويثرو بتطوير المفاهيم لتتناسب مع العصر الرقمي، قائلا إن “قوّة مبدأ الطبعة اليوميّة دامت لأكثر من 230 سنة، والتحدي اليوم يكمن في أن نضع المستخدمين في سلّم أولوياتنا ونتجنّب الثرثرة”.

فيما يرى نظيره في صحيفة صنداي تايمز مارتن إيفنز، أن مثل هذا التحديث يسلط الضوء على اتساع نطاق ما نقدمه بطريقة جديدة وسهلة، من دون التفريط في النسخة المطبوعة الثمينة. هذه الاستراتيجية الرقمية وجدت ما يدعمها بوصفها فكرة مؤثرة في السباق الرقمي- الرقمي وليس في الصراع مع الورقي، فهي بحسب المستشار الإعلامي كولن موريسون تؤمّن عائدات إعلانيّة أكبر وتجتذب القراء، لأن تحديد أوقات معيّنة للتحديث يخلق عند القرّاء عادة منتظمة في تصفّح الموقع.

لكن درجة وكمية المعلومات التي يتم تقديمها في المنصات الرقمية تجعل من التحديثات الثلاثة المقترحة لا تساعد على إعادة ابتكار المستقبل وقد تعيد تكرار أخطاء الماضي…

فسبق أن اعترف ناشرو الصحيفة بانخفاض عدد المستخدمين لموقعها على الإنترنت بعد فرض رسوم مالية على دخوله.

وقال الناشرون إن عدد زائري الصحيفتين انخفض بنسبة 87 بالمئة منذ فرض الرسوم عام 2010.

وواجهت التايمز معضلة عدم تقديم “محتوى متميز” مقابل استحصال رسوم لتصفح موقعها الإلكتروني على الإنترنت. وانخفض مستخدمو موقع الصحيفة بما فيه عددها الأسبوعي على الإنترنت بمقدار الثلث منذ فرض رسوم على الدخول إلى محتوى التقارير.

ثمة ما ينتظر التايمز بوصفها الصحيفة البريطانية عالية المسؤولية، لكن من يتنبأ به؟

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
القلب صديق المشائين
2017-02-14
ركود رقمي، الورق يعني الورق!
2017-02-12
غمازة كاظم الساهر الواهنة
2017-02-07
مفعول ترامب دواء للكساد الإخباري
2017-02-05
لماذا نضرم النار في مدننا؟
2017-01-31
ترامب لعبة صحافية لا تُمل
2017-01-29
اللغات لا تتقاتل
2017-01-24
أيها الصحافيون: المشكلة فينا وليست في القراء
2017-01-22
الغناء بوصفه حلا
2017-01-17
المزيد

 
>>