First Published: 2016-04-14

هل هناك تكنوقراط في العراق؟

 

الحديث عن حكومة تكنوقراط في العراق هو واجهة ذكية لاستمرار حكم المحاصصات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

المشكلة ليست في المصطلح ولكن في المفهوم. فالعراق الذي لم يضع منذ سنوات الرجل المناسب في المكان المناسب إلا في ما ندر، لا يمكنه في أية حال من الاحوال أن يتعرف على مواهب أبنائه، بعد أن ضيع الكثيرون منهم نزاهتهم في خضم التناحر الطائفي على السلطة.

التكنوقراط المستقل هو عملة نادرة في العراق. لذلك فإن الدعوة لقيام حكومة تكنوقراط لم تأت ثمارها إلا من خلال اعادة انتاج نظام المحاصصة الحزبية، وهو النظام الذي قام بمباركة سلطة الاحتلال ليكون بمثابة ترجمانا محليا للمشروع الاستعماري الذي لم يتمكن العراقيون من احلال مشروع وطني محله.

من هذا المنطلق يمكن أن نضع مصطلح "تكنوقراط" الذي صار يستعمل من قبل السياسيين العراقيين في سياقه المفهومي الصحيح. وهو سياق لا يخرج من دائرة ما هو متاح للعراقيين من حلول ترقيعية، يُراد من خلالها تمييع المطالب الشعبية في التغيير الشامل من خلال طبخها بناء على التعليمات الجاهزة.

فالواقع يقول إن الأزمات التي صنعها الفاسدون والتي أدى تراكمها إلى أنهيار الامل في أن يقوم العراق من كبوته ويخرج من ليله الطويل لا توجد جهة سياسية تتصدى لها غير تلك الجهات السياسية التي تضامنت في ما بينها من أجل اقامة نظام المحاصصة وتكريسه خيارا وحيدا، لا بديل له سوى حروب الابادة.

بهذا المعنى فإن ذلك التصدي لن يتحقق إلا من خلال ادارة تلك الازمات وليس حلها.

ما يجري النقاش حوله في العراق اليوم لا يتعدى عن كونه محاولة لإلباس الأزمة ما يليق بتوقيتها من لباس.

وما مصطلح التكنوقراط الذي صار لازمة حديث كل السياسيين العراقيين، باستثناء نوري المالكي إلا ذلك الثوب الذي نسجته حكاية الاصلاحات الوهمية التي تورط رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي في الدعوة إليها، من غير أن يملك فكرة واضحة عنها، وهي اصلاحات لم تكن تمس جوهر نظام المحاصصة. غير أنها سعت إلى الزج بوجوه جديدة في العملية السياسية التي صارت حكرا على وجوه بعينها.

بالنسبة لمعظم الزعامات الحزبية فإن اللجوء إلى التكنوقراط لا يمكن الثقة بنتائجه إلا من خلال اقراره حزبيا وتنقيته من الشوائب التي قد تجر الحكومة إلى الموقع الذي تطالب من خلاله باستقلالها.

أهذا ما سماه المالكي بالمؤامرة على المشروع الاسلامي؟

توهم حزبيو الحكم في بادئ الأمر أن المطالب الشعبية بالتغيير ستذهب إلى المطالبة بإسقاط النظام كما حدث في بلدان "الربيع العربي". لذلك فكروا في تقديم بعض التنازلات مقابل ابقاء النظام قائما.

فكانت الدعوة إلى اقامة حكومة الـ"تكنوقراط" واحدة من تلك التنازلات.

اما حين تبين لهم بأن الشعب لم يكن جادا في رغبته في التغيير فإنهم لم يتراجعوا عن مشروعهم الذي ينطوي على قدر هائل من الإزدراء للشعب.

"سنشبعكم تكنوقراط" هذا ما صار لسان حال سياسيي العراق يقوله بسخرية مريرة. في الوقت الذي صار فيه الشعب يندب حظه الذي ساقه إلى طريق، ستكون نهايتها مرآة لبدايتها. ذلك لأن كل التظاهرات وكل الاعتصامات لم تثمر إلا عن التفكير في حكومة ستكون بمثابة واجهة، يتستر خلفها نظام المحاصصة.

لقد توصلت الاحزاب الدينية إلى أن تقيم شراكة من نوع جديد، قوامها كفاءات معممة، تلتزم بما أقره نظام المحاصصة من تقسيم للغنائم بين الأطراف المشاركة في العملية السياسية. وهو ما يعني أن تلك الاحزاب ستظل ممسكة بخيوط اللعبة كلها.

ستكون حكومة التكنوقراط في العراق بمثابة درس مرير جديد يضيفه الشعب العراقي إلى سجل الدروس التي تلقاها منذ أن وقع الاحتلال عام 2003. وهو درس مأساوي، من شأن تأمله أن يشير إلى أن كل الطرق الواقعية للتغيير باتت مسدودة.

الحل يقع في مكان آخر.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
بيت المعارضة والبيت السوري
2017-11-23
الصلاة مناسبة للعبادة وليست تظاهرة سياسية
2017-11-22
دعوة لتدويل الصراع مع إيران
2017-11-21
أباطيل حزب الله
2017-11-20
لتذهب إيران حيثما تشاء
2017-11-19
كذبة 'إيران التي انقذت بغداد ودمشق'
2017-11-18
أكراد العراق في عزلتهم
2017-11-16
سفراء الخراب الإيراني
2017-11-14
كأن الحرب في لبنان قادمة
2017-11-13
نهاية الأقليات في العالم العربي
2017-11-12
المزيد

 
>>