First Published: 2016-04-19

أبحث عن حياة عند بلقيس في 'هكذا مرت الأيام'

 

عندما قرأت خبر انتحار حياة شرارة مع ابنتها، بقيت أدور على نفسي، لم أشعر بالندم لأنني لم أبادر في تحيتها قبل سنوات فالأسى في ملامحها كان أكبر من أي شيء له القدرة على إزالته.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

حتى بلقيس لم تكن تعرف شقيقتها حياة

عندما وقع بين يدي هذا الكتاب، تلقفته وكأنني سأجد ما علق في روحي من أسى منذ ربع قرن، كذلك قلت سأجد كل شيء عن حياة شرارة في كتاب شقيقتها بلقيس “هكذا مرت الأيام” الصادر مؤخرا.

فحياة لها وقع خاص في ذاكرة من قرأ ترجماتها عن الأدب الروسي، مثلما تبدو هي اللبنانية الشفافة بمسحة عراقية، فهذه المرأة شاهدة على زمن عراقي- لبناني ناصع كانت تربطه أغنية هنا أو هناك، أو أفراد أسرة بعضهم في بيروت وبعضهم في بغداد، حتى بيروت كان لفظها بصوت الأمهات آنذاك غير بيروت اليوم التي سرقها الطائفيون كما سرقوا بغداد.

لن أنسى ما حييت عندما شاهدتها في مصرف الرافدين في الباب المعظم، كان طوق الحصار الأعمى قد هد الجسد وتوغل في العظم آنذاك، فقد العراقيون الأمل بعد أن أنهكهم الجوع، كانت ملامحها أشبه ببورتريه للأسى، هي المرأة الرقيقة التي بقيت تمتلك ذلك الوجه الطفولي حتى عندما سحبت الموت من ياقته كي يأخذها.

لم أجرؤ على الاقتراب منها وتحية الأستاذة حياة، فلم يعد آنذاك للسلام والود مكان في قاموس العراقيين وهم يرون العالم برمته يجمع على تجويعهم.

وضعت حزمة من النقود كانت أكبر من أن تستوعبها حقيبتها فدفعتها بقوة، وهي في حقيقة الأمر ليست أكثر من أوراق فاقدة القيمة ولا يمكن أن تسد رمق أسرتها الصغيرة، كان ذلك في بداية تسعينات القرن الماضي، لكن هذا المشهد لم يغادر ذاكرتي وبقي أسى حياة شرارة شاهدا على ظلم العالم لشعب برمته.

عندما قرأت خبر انتحارها مع ابنتها عام 1997 وأنا في تونس، بقيت أدور على نفسي، لم أشعر بالندم لأنني لم أبادر في تحيتها قبل سنوات فالأسى في ملامحها كان أكبر من أي شيء له القدرة على إزالته.

وهكذا وجدت كتاب شقيقتها بلقيس أشبه بمنقذ من أسى لم يغب عن روحي منذ ربع قرن، أخذتني لهفة القراءة ولم أتفاجأ بإنجازات المعماري رفعت الجادرجي زوج بلقيس شرارة، كنت أقرأ وأتوق للصفحات الأخرى بلهفة علني أجد شيئا آخر عن المرأة التي هدها الوجع في عراق محاصر فانتحرت مع ابنتها الصبية.

ياللأسى فحتى بلقيس لم تكن تعرف شقيقتها حياة، واعترفت بالقطيعة بينهما “كانت شقيقتي ولكني لا أعرف إلا القليل عنها”.

لم أجد حياة شرارة في كتاب شقيقتها الممتع إلا ما كتبته عن عراق لم تكن هي فيه خصوصا بعد عام 1991.

كان رائعا أن تحتفظ بذكرياتها مع زوجها المعماري ومخيبا أن تسرد قصصا عن عراق جائع لم تكن شاهدة عليها، مثلما أهملت ولو الإشارة إلى الإجماع الوطني الرافض لتصميم الجادرجي لعلم جديد بعد احتلال العراق.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
أيها الصحافيون: المشكلة فينا وليست في القراء
2017-01-22
الغناء بوصفه حلا
2017-01-17
سلب السلطة من السلطة الرابعة
2017-01-15
هل حقا لا ينام ترامب؟
2017-01-10
كيف يدخل المعلنون إلى وعينا
2017-01-08
2016 أسقط نرجسية وسائل الإعلام
2017-01-03
ما معنى أن تكون الصحافة الحكومية ديمقراطية
2016-12-26
كوميديا الصعود السياسي
2016-12-20
الأخبار الزائفة تحرق الديمقراطية
2016-12-18
النساء بلا جاذبية
2016-12-13
المزيد

 
>>