First Published: 2016-04-21

البعد الغائب في قضية تيران وصنافير

 

إعادة الجزر يرتبط بطبيعة الحسابات المصرية لما يدور في المنطقة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الاهتمام المتزايد بقضية جزيرتي تيران وصنافير، أتاح فرصة مناسبة لكثير من المواطنين للإلمام بجزء معتبر منها، تاريخيا وجغرافيا واقتصاديا، واقتنع من أراد الاقتناع بوجهة النظر الرسمية، ورفض من لديهم استعداد مسبق للرفض، ولن أخوض في جدل مع وضد، فقد أصبحت الأمور أكثر وضوحا من ذي قبل.

لكن للقضية في نظري أبعاد أخرى، ربما تكون غابت عن البعض. أبعاد أمنية وإستراتيجية، لها علاقة بطبيعة الحسابات المصرية لما يدور في المنطقة حاليا ومستقبلا، وخريطة التفاعلات الجارية، والتي لم تكتمل حتى الآن.

فلا تزال هناك أجزاء غاطسة يصعب رؤيتها للمواطن العادي، إلا أن من يضعوا الخطط الإستراتيجية ورسموا السياسيات على دراية بتفاصيل متعددة، كما أنهم وضعوا تصوراتهم بناء على تقديرات محددة، وما يمكن أن تفضي إليه من سيناريوهات متصادمة.

النتيجة المباشرة لعودة الجزيرتين إلى أصحابها، مرتبطة بإقامة مشروع تنموي عملاق بين مصر والسعودية، مقدمته الجسر الذي يربط بين البلدين، لكن روافده متباينة، فبموجبه سوف تنشأ مجموعة من المشروعات الاقتصادية التي متوقع أن تجني منها مصر حصيلة إيجابية كبيرة، سواء بالعائدات المباشرة أو غير المباشرة.

بمعنى أنه سوف يقطع الطريق على مخططات اقتصادية بدأت تفكر فيها بعض دول المنطقة، إتمامها وفقا للتصورات التي أعلن عنها بشأن حركة التجارة بين الشرق والغرب والعكس، يكبد مصر خسائر فادحة.

إذا سلمنا أن هناك خططا بديلة (قديمة - جديدة) للتعاون الإقليمي، وجدت في السابق كوابح سياسية لعرقلتها، فإن ما جرى من صراعات وأزمات هيأ الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية أمام إمكانية تنفيذها، وسقطت معها الكثير من الحجج التي كانت قوية في حينه، وتكفلت بوقف زحف نوعيات مختلفة من قواعد التعاون الإقليمي.

الآن شئنا أم أبينا، بسبب حالة الضعف والترهل في الجسد العربي العام، قد تضطر الكثير من دول المنطقة إلى القبول بما كان محرما عليها من قبل، وحتى لو رفض البعض هذا الاتجاه، فإن هناك مجموعة من المنغصات والضغوط يمكن تمارس لردعهم من المضي قدما في ممانعتهم، في هذا السياق يبدو مشروع الجسر وفروعه الاقتصادية، يكشف عن نقطتين مهمتين.

الأولى، أنه استباق لما سيتم تدشينه من مشروعات تنموية لربط دول المنطقة، بما فيها إسرائيل، بمعنى أن النقلة المصرية – السعودية محاولة لقطع الطريق على أو التقليل من فرص المشروعات المقابلة، التي تم إعدادها للتعاون منذ فترة وتنتظر تنفيذها على الأرض، عندما تهدأ العواصف، وبموجبها يمكن رسم خريطة سياسية جديدة للمنطقة، أملا في أن تمحو من الذاكرة ثوابت ومفردات ارتبطت بالصراع العربي- الإسرائيلي، والتأسيس لمرحلة لها قاموس خاص بها.

الثانية، إقامة المشروع المصري – السعودي، وارتفاع درجة الترحيب أو عدم الرفض، بما يتجاوز الدولتين، إلى قوى إقليمية ودولية، ينطوي على إشارة ضمنية، بتراجع عملية التفكير في رسم حدود جديدة للمنطقة (سايكس بيكو ثانية)، فموافقة مصر على إعادة جزيرتي تيران وصنافير يعزز لذلك، وحتى الصخب والرفض والاحتجاجات والمظاهرات من جانب قطاع من المصريين، يحمل دلالة قوية على نبذ فكرة إعادة رسم حدود بعض الدول العربية، انطلاقا من مستجدات النزاعات التي تموج بها دول، مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن.

هذا بافتراض أن التطورات مع إسرائيل سوف تسير في طريق صمود التسويات السياسية، والعمل على تطويرها، بما يتوافق مع التطورات الجارية في المنطقة، وتوازنات القوة الشاملة التي أصبحت أكثر اختلالا وتميل بالطبع لصالحها.

أما إذا حدث العكس، وبدأت ملامح السلام تتراجع، ونذر الحرب تلوح في الأفق، وفقا للحسابات النظرية البحتة، فهنا سوف تكون مصر هي جبهة المواجهة الحقيقية، بعد الانهيار (المؤقت) الحاصل في الجبهة السورية الآن، والتي كانت تحتضن عرفيا الجيش الأول بالنسبة لمصر.

ولعل الرمزية التي حملها اجتماع الحكومة الإسرائيلية في هضبة الجولان السورية أخيرا، وجرأة الحديث حول الاستحواذ عليها إلى الأبد، يكشف لأي درجة تنظر تل أبيب لمستقبل سوريا.

هذه المعطيات، مؤكد أنها محل اعتبار لدى مصر، من هنا يصل المراقب إلى الأهمية الحيوية لعودة الجزيرتين إلى السعودية في هذا التوقيت، حيث تضعا، افتراضا، جبهة مواجهة ربما يمكن وصفها بـ "البديلة للجبهة السورية" التي تراجعت أهميتها العسكرية، لتخفيف الضغوط على الجبهة المصرية، ماديا ومعنويا، وفي هذه الحالة مرجح أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه عام 1950، للاعتبارات ذاتها التي دفعت بالرياض إلى وضع الجزيرتين في حوزة القيادة المصرية.

قد يكون هذا الاستنتاج به قدر من الخيال، لكن غالبية الأحداث تأتي من رحم افتراضات، لها علاقة، من قريب أو بعيد، بما يجري على الأرض، وفي هذه الحالة بني الخيار الثاني على أسس ثلاثة.

أولها، إسرائيل سوف تظل في العقيدة المصرية ساحة مواجهة، بسبب أطماعها التي لا تقف عند حدود معينة، والتي أثبتتها الكثير من الأحداث التاريخية، وآخرها الموقف الانتهازي من هضبة الجولان، وكان رد الخارجية المصرية متسقا مع دورها القومي.

ثانيها، مشروعات التعاون الإقليمي المتوقع تدشينها في المستقبل، تخضع لإرادة القوى الكبرى، والمعادلات التي تتحكم فيها وتدير بها هذه القضايا منحازة لمصالحها، على حساب القوى العربية الرئيسية، وفي مقدمتها مصر والسعودية، الأمر الذي يقلل من فرص التسليم بها عربيا، بصورة يمكن أن تفتح الباب للخيار الثاني (الحرب).

ثالثها، تمسك مصر بتوجهاتها العروبية، وتكرار الكلام حول الدفاع عن الأمن القومي العربي ضد أية تهديدات، يدعم الخيار الثاني، ولأن الحرب ليست نزهة، وتحتاج لترتيبات تتوافق مع ظروف العصر، كانت عملية عودة الجزيرتين للسعودية ذات أبعاد إستراتيجية معقدة وغاية في الأهمية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
المزيد

 
>>