First Published: 2016-04-22

هولاند في بيروت: الحصاد المقبل

 

باريس تراقب عن كثب مآلات الكارثة السورية ومداولاتها، فمنها تخرج خريطة طريق النفق اللبناني.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

أن يستهل الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند جولته في الشرق الأوسط بـ "زيارة عمل" إلى بيروت، وأن يخصص لها يومين للقاء قيادات البلد والتجوال في أكثر من منطقة داخله، ففي ذلك رسالة لأولي الأمر بأن البلد ما زال على رأس أولويات باريس في مقاربة علاقاتها الشرق أوسطية، وأن غياب رئيس مسيحي عن قصر بعبدا لا يخفف من مواكبة الحكم في فرنسا ليوميات الحكم في لبنان ومساراته. وفي الزيارة ورسائلها إشارات تنطلق صوب لاعبين حيويين في الشأن اللبناني: إسرائيل، إيران، السعودية، الولايات المتحدة.

يستنتج المراقب أن باريس تلعب من خلال زائرها في ملعب الآخرين. أول هؤلاء الآخرين هو إيران التي هاجمت صحفها زيارة هولاند "المعادي للمقاومة"، لا سيما أن زعيم الإليزيه لم يلتق وفد حزب الله، على ما يفاقم توصيف الزيارة بالنسبة للحزب كما طهران. يتذكّر هولاند ما عانته فرنسا في لبنان جراء موقفي طهران ودمشق. سقط لباريس سفيرها في بيروت لوي ديلامار (1981) على مسافة ليست بعيدة عن حاجز عسكري سوري، بما عكس رغبة سورية آنذاك في التعريف بهوية القاتل ومضامين رسائله. وسقط لباريس 58 جندياً في هجمات على ثكنتهم في لبنان (1985) عُرف أنها من تدبير إيراني الهوى، كما تذكر باريس قصصاً عن رهائن قتلوا وآخرين أفرج عنهم من ضمن البازار المتعلّق بسوء العلاقة بين فرنسا وإيران.

تصر باريس على لعب دور متقدم في شأن لبنان وعلى التمسك بعلاقات استثنائية مع بيروت على الرغم من اندثار زمن أرجحية دورها في الشرق. كانت باريس على الدوام حاضرة في كل مفصل تاريخي للبلد، فيما كان حضورها العسكري سباقاً من ضمن قوات الأمم المتحدة للفصل على الحدود مع إسرائيل في السابق والراهن، كما حضورها من ضمن القوات المتعددة الجنسيات التي دخلت البلد عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

يتقدم فرانسوا هولاند نحو لبنان وهو يعرف أن المنطقة أضحت رهينة لعبة أمم لا ينخرط داخلها تلك التقليدية المعروفة التي راجت بعد الحرب العالمية الثانية. تهيمن الولايات المتحدة (أو تحاول) على شؤون الساعة في العراق، فيما تهيمن روسيا (أو تحاول) على شؤون الراهن في سوريا. وما بين القطبين لاعبون إقليميون يناكفون ويعطّلون ويتواطأون حسب أجندات متنافسة. وفي تقاطع الخطوط بين أنظمة المنطقة وتلك الوافدة من موسكو وواشنطن تبدو باريس غائبةً مغيّبةً تتحرى، كالمعتاد، طريقاً يبعدها عن واشنطن ولا يقرّبها من موسكو.

يقف فرنسا هولاند في منتصف تقاطع قد لا يجد له مؤازراً أو مباركاً من قبل القوى المعنية بأمر لبنان. يتحدثُ الرجل عن معونات عسكرية للجيش اللبناني قد لا تحبّذها الرياض في موسم غضبها من بيروت وجيشها، وفي اعقاب معاقبتها للبنان بوقف الهبات لجيشه. لن تحبّ طهران كرم باريس لجيش لبنان وهي التي عرضت كرمها فلم تستحب بيروت، ناهيك عن حساسية حزب الله من أي مساعدة عسكرية للجيش اللبناني (وسبق أن توجّست من منحة روسية لتقديم مقاتلات له)، لا سيما إذا لم تكن تلك المساعدات إيرانية المصدر. ثم إن الهجوم الدبلوماسي لهولاند على لبنان قد لا تستأنس به واشنطن التي تشرف على كل المنطقة وتنخرط في ملفاتها، سواء تلك الإيرانية أو العراقية أو السورية أو الخليجية.

والحقيقة تقال أن باريس تدّعي دوراً لا تمتلكُ امكانات لعبه. ولئن أثبتت العاصمة الفرنسية في السنوات الأخيرة أنها صاحبة قرار في شؤون ليبيا ومالي وأفريقيا الوسطى، كما في شؤون مكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي، فإن موقعها في الشرق بدا متواضعاً، وكثيراً ما يكون شكلياً ملتحقاً برؤى واشنطن رغم الإدعاء بمعاندته. ولا بد أننا نذكر أن باريس أعلنت تحريك حاملة الطائرات شارل ديغول نحو المنطقة لمحاربة داعش ثم أعلنت بعد أشهر عودتها دون أن تسجّل الرحلة شيئا لافتاً في تقويض قوى تنظيم أبو بكر البغدادي.

ومع ذلك تعرف بيروت أن ردّ فعل واشنطن إزاء اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري لم يكن بالمستوى المطلوب، وأن تحرّك الرئيس الفرنسي جاك شيراك آنذاك ومطالبته بتشكيل محكمة دولية لمتابعة الجريمة هو ما قلب المزاج الدولي العام رأساً على عقب. وتعرف طهران أن باريس لعبت دوراً متصلباً في مفاوضات البرنامج النووي ولطالما اعتبرت مطالبها الأكثر خشونة ضد إيران. وتعرف دمشق أن مواقف باريس، وأيا كان الرئيس في الإليزيه، لا سيما في السنوات الأخيرة ابتداء بشيراك مرورا بساركوزي (رغم موسم العسل مع الأسد في بداية عهده في الإليزيه) انتهاء بهولاند، واصل معارضة عنيدة ضد النظام السوري ودعوة متقدمة لاستخدام الخيار العسكري ضده.

بهذا المعنى تملك باريس مهارة اللعب بجدارة داخل ملاعب لا تهيمن على مفاتيحها. تكفي متابعة مواقف باريس إزاء واشنطن وموسكو في رعايتهما للملف السوري لاستنتاج تلك البراعة في التحفّظ دون الاستعداء، على نحو يجعل من باريس حاجة للولايات المتحدة كما لروسيا في تدوير الزوايا، لا سيما حين يلوح انسداد ما بين واشنطن وموسكو. وعلى هذه، ومن خلال المتاح، تمررُ فرنسا ورئيسها خياراتهما اللبنانية، على ما يرفع من ثقة اللبنانيين بالخيمة الدولية المفترضة المنصوبة فوق بلادهم (سيعود وزير الخارجية الفرنسي إلى بيروت للتحضير لاجتماعات مجموعة الدعم الدولي لمساعدة لبنان).

في أزمان القطيعة الدولية لحزب الله بقيت أبواب باريس مفتوحة للتواصل والحوار مع شخصيات الحزب. في الأمر أيضاً حماية للجنود الفرنسيين المتواجدين في جنوب لبنان من ضمن قوات اليونيفل. لكن باريس كانت تعتبر أن الحزب ممثل في البرلمان والحكومة، وكانت من ضمن من شجّع الراحل رفيق الحريري، وربما نجله سعد، على الانفتاح على الحزب. لذلك تبدو القطيعة بين الحزب وهولاند في بيروت تتداعى من موقف خليجي عربي إسلامي يصنف الحزب إرهابياً، على نحو لا تريد باريس معاندته على ما قد يستفز بيئة من الأصدقاء في مقدمهم دول الخليج.

لم يعرض هولاند أي مبادرة لانتخاب رئيس للجمهورية في لبنان. استمع الرجل تهذيباً لساسة لبنان وهو العارف مسبقاً بمواقفهم. يعرف سيّد الإليزيه أن مفتاح الحلّ في طهران، وأنه حين أرسل دبلوماسييه يسألون نظراءهم الإيرانيين عن ذلك المفتاح، جاء الرد الإيراني سرياليا: الحلّ بيد اللبنانيين.

يصف الزعيم اللبناني وليد جنبلاط بأن الرد الإيراني هو نكتة، هولاند أيضاً يعرف نفس نكتة ولا بد أنهما تذكراها سوياً حين التقيا قبل أيام في قصر الصنوبر في بيروت. لكن باريس تراقب عن كثب مآلات الكارثة السورية ومداولاتها، فمنها تخرج خريطة طريق النفق اللبناني. في زيارة هولاند دعم مالي لبيروت لمواجهة أزمة اللاجئين السوريين، ما اعتبره الخبثاء طريقة للقول "أبقوهم عندكم وامنعوا انتقالهم لعندنا". وفي زيارة الرجل عرض لاستضافة حوار لبناني لبناني لانتاج رئيس. وفي زيارة الرجل ما فهم بأنه تمسّك بالصيغة اللبنانية أرضا ووحدة ونظاما، على هامش ما قد يُعَدُّ لسوريا ولبنان في جنيف في غياب رئيس يمثّل مصالح كل لبنان.

قد يعتبر البعض أن زيارة فرانسوا هولاند شكلية في راهنها، لكن الرئيس الفرنسي، الذاهب في العام المقبل لخوض غمار السباق الرئاسي في بلاده مجدداً، يدرك أهمية لبنان كمفتاح أساسي لفرنسا في الشرق الأوسط. يجري في المنطقة زرعٌ كثير، لكن في لموسم الحصاد فلسلفة أخرى. حينها تكون باريس جاهزة لقطف حصادها، وحينها ستكون ربما محجّاً مقبلاً للاعبين لا فرق إن أتوا من بغداد أو طهران أو دمشق أو الرياض، أو طبعاً من بيروت.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
لا إصلاحيون في إيران.. نعم لرئيس محافظ!
2017-05-01
هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟
2017-04-28
نعم مارين لوبن تقترب جدا من أبواب الاليزيه!
2017-04-21
روسيا ترد على الغرب بدبلوماسية 'قلة الفهم'!
2017-04-14
توماهوك الشعيرات: قراءة بيتية أميركية!
2017-04-10
المزيد

 
>>