First Published: 2016-04-24

كذبة أننا نعرف ماذا نفعل هناك!

 

ماثيو باريس الذي يعدّ مع سايمون جنكينز أفضل من يقدّم صورة واقعية عن الشرق الأوسط للقارئ الغربي، يطالب بالاعتراف بأننا ضللنا الطريق في الشرق الأوسط وأن ساسة الغرب يواصلون أكبر كذبة استمرّ تداولها منذ حرب الخليج.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

تعترف جيسيكا ديفي التي عملت خمسة أعوام (2008 – 2013) مراسلة صحافية من دول الخليج العربي، بأن 14 بالمئة فقط من سكان العالم يتمتعون بصحافة حرة وفق دراسة لمؤسسة فريدوم هاوس، إلا أنها تكتب بحس سياحي عندما تتحدث عن بلدان عربية عملت فيها.

تتحدث جيسيكا عن الرقابة وتعرض ما تعلمته من تجربة التعامل معها في تلك البلدان، إلا أنها “تتخرفن” كما تخرفن جون سيمسون كبير مراسلي هيئة الإذاعة البريطانية -حسب وصف صحيفة الغارديان آنذاك- وهو يعلن بثقة مبالغ فيها عام 2001 في أفغانستان “لقد حررنا كابول!”، وتكرر الأمر أيضا بـ”تحرير العراق” الذي تلاشى ليصبح هذا “التحرير” الخطأ الأشنع الذي ارتكبه السياسيون، وخضعت له وسائل الإعلام.

“تخرفن” جيسيكا يكمن في أن السنوات الخمس التي قضتها تنقل التقارير الصحافية، وتحاور المسؤولين وتشارك في المؤتمرات، وتتجول في الأسواق والملاعب، علمتها أنها يجب أن تستخدم كلمة “ماء الشعير” وليس كلمة “البيرة!”، وأنه من المهم عندما تلتقط صورة لسيدة عربية يجب ان تنتبه كم بوصة عليها أن تظهر من ساقي المرأة فوق حذائها! وعندما تتحدث عن مسلسل “الجنس والمدينة”، الذي كان يعرض آنذاك، عليها أن تستخدم حروفا مختصرة لعنوان هذا المسلسل!!

مثل هذه الدروس الهزيلة التي تعرضها صحافية على قدر كبير من التجربة مثل جيسيكا ديفي، تكشف لنا مساحة الخيبة التي تقدمها الصحافة الغربية عن واقع عربي سياسي وطائفي ملتبس في الأصل، وبحاجة إلى مراسل على درجة من الفهم كي يقدم صورة واقعية عنه، وليست الصورة القصصية التي يبتكرها روبرت فيسك مثلا. فهذا الصحافي المخضرم الذي كان مراسلا لصحيفة التايمز، قبل انتقاله إلى ذي أندبندنت، بارع في التأليف ويمتلك مخيّلة واسعة يحسد عليها، لكنّ ميزته الأساسية تبقى في معرفته نقطة الضعف عند القارئ العربي الباحث دائما عمن يشفي غليله، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة والواقع. أو الفكرة التي يصر عليها باتريك كوكبيرن وكأن العالم العربي وجد كي يكون تحت حكم ديني ثيوقراطي.

يعترف كوكبيرن، بأن الحروب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في العقد الماضي، والمتصاعدة اليوم، أسهمت بطريقة ما في صناعة المفاهيم الخاطئة عن هوية المنتصر والمهزوم.

ويعزو كوكبيرن الذي عمل مراسلا في دول عربية لصحيفتي فاينانشال تايمز، ثم ذي أندبندنت، منذ عام 1979، سبب صناعة “المفاهيم الخاطئة” إلى الصحف والتلفزيون والراديو، حيث لعب الصحافيون دورا مركزيا في ذلك، وهو في كل الأحوال يدرك أنه كان جزءا من هذه الصناعة.

ويكتفي بذلك في نتيجة أسهم الصحافيون فيها، ويرى أنها جاءت وفق المفاجآت والتقلبات غير المتوقعة التي وقعت، ولا يلوم في النهاية الإعلام في الانقياد إلى هذه النتائج والإعلان النهائي عنها.

قبل أيام أطلق علينا في زيارة إلى مبنى صحيفة “العرب”، عضو حزب المحافظين وعضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس العموم البريطاني، دانيال كافشينسكي، سؤالا عن الخطأ الأكبر للغرب في الشرق الأوسط، فاختصر الدكتور هيثم الزبيدي رئيس التحرير الإجابة بـ”احتلال العراق”.

وبطبيعة الحال الإعلام كان شريكا فاعلا في مثل هذا الخطأ، وطلبت من كافشينسكي في ما يشبه الإجابة على سؤاله العودة إلى ما كتبه ماثيو باريس قبل أسابيع في صحيفة التايمز البريطانية عمّا أسماه موجة الحنين التي تجتاح السياسيين والمحللين إلى قصة نجاح لورانس العرب إزاء فشل الحكومات الغربية في التعاطي مع أزمات تزداد تعقيدا في منطقة الشرق الأوسط كل يوم، وعجز قادتها عن طرح تصوّر فعال كبديل للحروب الطاحنة التي تعصف ببلدانها.

يطالب ماثيو الذي يعدّ مع سايمون جنكينز أفضل من يقدّم صورة واقعية عن الشرق الأوسط للقارئ الغربي، بالاعتراف بأننا ضللنا الطريق في الشرق الأوسط وأن ساسة الغرب يواصلون أكبر كذبة استمرّ تداولها منذ حرب الخليج الأولى قبل 25 عاما، وهي “أننا نعرف ماذا نفعل هناك”.

يمكن أن ينطبق هذا الكلام على وسائل الإعلام الغربية لأنها حقا لا تعرف “ماذا يحدث في بلداننا العربية”، فبعد خمسة أعوام قضتها جيسيكا ديفي في الخليج العربي لم تر أكثر من تصوير أقدام النساء هناك!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
درس ديني لوسائل الإعلام
2017-06-11
أبعد من تفاحة نيوتن
2017-06-06
المزيد

 
>>