First Published: 2016-04-26

التسارع العظيم

 

نمط حياتنا السريع أقرب الطرق لتقصير أعمارنا، وليس لإنجاز المزيد من المهام، والمثير في الأمر أننا كلما نمضي أسرع ممّا هو متاح لنا لا نشعر بالإنهاك وقتها مما يدفعنا إلى المزيد من السرعة، الإنهاك الذي سيصيبنا هو مرحلة متأخرة اسمها قصر الأعمار!

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لماذا نُسرع؟ ليس فقط في خطواتنا عبر الطريق، بل تحتمَ علينا أن نكون مسرعين في كل ما نقوم به من دون أن نشعر بإيقاع حياتنا إلى أن يهدّنا التعب.

حياتنا السريعة ليست عادة سيئة فقط بل تفقدنا القدرة على تحسّس التجربة الفعلية للحياة، مثل الجدل المتواصل بين زوجين على تساوي الخطى عند السير معا، فعادة ما تكون خطوة المرأة أقصر من الرجل الذي يستثمر ذلك ويزيد في حركته، وهو في حقيقة الأمر ليس لسبق الوصول لأنهما يسيران معا، بل لإنهاك المرأة.

كان مدرس الفيزياء في ثمانينات القرن الماضي يحثنا على الإسراع في كل شيء ويقول إنه زمن السرعة، يجب أن نسرع في القراءة والتحصيل والحركة والأكل، فرد عليه زميل ليس على درجة عالية من الذكاء لكنه تعلم الكياسة في أسرته أكثر من غيره، قائلا الإسراع في تناول الطعام ليست عادة سيئة فقط بل خطرة وقد تؤدي إلى الاختناق.

ويشير روبرت كولفيل، مؤلف كتاب حول السرعة المتزايدة للحياة العصرية بعنوان “التسارع العظيم”، إلى أن سلوك الناس مع الأجهزة المحمولة بات أقل تعددا في المهام من سلوك الطائر الطنان.

وهذا وصف يمكن مقارنته بالجدل الذي كان يدور في محاورة “فايدروس” لأفلاطون عندما تم تصوير الكتابة على أنها تكنولوجيا مزعجة تخريبية وغير مرغوب فيها، وكانت المحادثات والحوارات هي الطريقة الصحيحة لفهم الأمور. اليوم التكنولوجيا سلبت منا الكتابة على أصولها، والأجهزة الذكية أصابتنا بالخرس.

نمط حياتنا السريع أقرب الطرق لتقصير أعمارنا، وليس لإنجاز المزيد من المهام، والمثير في الأمر أننا كلما نمضي أسرع ممّا هو متاح لنا لا نشعر بالإنهاك وقتها مما يدفعنا إلى المزيد من السرعة، الإنهاك الذي سيصيبنا هو مرحلة متأخرة اسمها قصر الأعمار!

لكن الكسل وعدم إنجاز المهام أو منح العمل أضعاف ما يستحقه من الزمن ليست راحة بقدر ما هو تراجع يصيب الإنسان بالبلادة التي تؤول إلى نتائج أسوأ على العقل من النشاط المضاعف.

فالإسراع في السير والعمل والكلام والحب والكتابة والشجار والتصالح والانزعاج والتذمر واختيار الأصدقاء وإنهاء العلاقات… ليست إلا استحصالا مبكرا من حياة مستقبلية كان يفترض أن تكون هادئة ووديعة لكنها في عصرنا ليست كذلك.

يتوقع الكاتب جوناثان مارغوليس بحلول العام 2025، سيكون من الآن في العشرينات من عمره مصابا بالغضب جدا بسبب الأطفال الذين سيصادفهم في الحافلة ومعهم نظارات الواقع الافتراضي من غوغل، وهم مركزون جدا على العبث مع أصدقائهم في العوالم الافتراضية، حيث تفوتهم التجربة الفعلية الواقعية لكونهم موجودين في الحافلة.

التكنولوجيا المتسارعة تسهل طبيعة المعيشة علينا، لكنها تصيبنا باللهاث وتسلب منا الدعة والسكينة، وهكذا تفوتنا الحياة بأسرع مما نرتضيه.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
القلب صديق المشائين
2017-02-14
ركود رقمي، الورق يعني الورق!
2017-02-12
غمازة كاظم الساهر الواهنة
2017-02-07
مفعول ترامب دواء للكساد الإخباري
2017-02-05
لماذا نضرم النار في مدننا؟
2017-01-31
ترامب لعبة صحافية لا تُمل
2017-01-29
اللغات لا تتقاتل
2017-01-24
المزيد

 
>>