First Published: 2016-04-28

الخلفيات القانونية والسياسية لأزمة ناغورنو كراباخ

 

مصالح القوى الكبرى جعلت من الصراع بين أرمينيا وأذربيجان صراعاً ممتداً يتغذى من خلفيات عرقية ودينية وتاريخية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

على الرغم من أن الجانب القانوني للصراع بين أرمينيا وأذربيجان، حول اقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه واضح المعالم، إلا أن مصالح القوى الكبرى جعلت منه صراعاً ممتدا، في منطقة سيطرت عليها روح العداء بين الأرمن والأذربيجانيين، حيث مرد العداء لأسباب عرقية ودينية وتاريخية، بخاصة إبان سيطرة الإمبراطورية العثمانية على تلك المناطق قبل عدة قرون. إلا إن بوادر تفجر الصراع في إقليم ناغورنو كاراباخ تحديدا تعود إلى عشرينيات القرن الماضي.

ويعود الصراع العسكري والقانوني إلى العام 1991، عندما أعلنت كل من أرمينيا وأذربيجان استقلالهما عن الاتحاد السوفياتي، وكان إقليم ناغورني كاراباخ قد ضُم إداريا إلى جمهورية أرمينيا في العام 1923 إبان حكم ستالين، رغم وقوعه في قلب أذربيجان، وفي المقابل ضم ستالين إداريا منطقة ناختشيفان الواقعة جغرافيا في قلب أرمينيا والتي تقيم فيها غالبية أذرية إلى أذربيجان.

وفي العام 1993 أعلن الأرمن من سكان ناغورنو كاراباخ استقلالهم عن دولة أذربيجان وتم الإعلان عن قيام دولة جديدة منفصلة بعد عقد استفتاء تمت مقاطعته من قبل الأذربيجانيين القاطنين بالإقليم.

وقد أدلت الأغلبية الساحقة من الناخبين بأصواتهم لصالح قيام جمهورية مستقلة في ناغورنو كاراباخ، ما أدى إلى نشوب النزاع المسلح حول ناغورنو كاراباخ، ما بين أرمينيا وأذربيجان، حيث قتل الآلاف وشرد مئات الآلاف بسبب النزاع، إلا أن الحرب توقفت العام 1994، وما جرى مؤخراً يعتبر انهيارا مفاجئا لاتفاقية الهدنة التي وقعت في بيشكيك عاصمة قرغيزستان في 5 أيار/مايو 1994.

ووفقا لتلك الهدنة، وافق أطراف النزاع على وقف لإطلاق النار اعتبارا من 12 أيار/مايو 1994، والذي استمر حتى الثاني من نيسان/أبريل الحالي.

يعتبر اقليم ناغورنو كاراباخ من الناحية القانونية جزءا لا يتجزأ من أراضي الدولة الأذربيجانية. وطالما أن الأمم المتحدة لم تعترف بالإقليم كدولة مستقلة، فإن أي تدخل عسكري يشكل انتهاكاً للمادة (2) الفقرة (4) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنص على أن "يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة".

إلا أن واقع الأمر يشير إلى أن منطقة أراد غالبية سكانها الأرمن الانفصال عن أذربيجان، لكن المحاولة الانفصالية غير معترف بها دولياً حتى الآن، ومهما يكن من أمر، فإن هذه المنطقة الساخنة هي من مخلفات الحرب الباردة، وانعكاس لتضارب المصالح الجيوسياسية والعرقية بين روسيا وتركيا وأرمينيا وأذربيجان وإيران، وهكذا بدأ الصراع بعد ربع قرن من اندلاعه، ومن الممكن أن يجر إلى حرب بالغة التعقيد.

ويمكن تصنيف هذا النزاع المسلح بحسب القانون الدولي الإنساني، على انه نزاع مسلح دولي في شقه المتعلق بين أرمينيا وأذربيجان، ونزاع مسلح غير دولي في شقه المتعلق بين أذربيجان وبعض السكان الأرمن الذين يقطنون اقليم ناغورنو كاراباخ، الذي يعتبر أرضا أذرية وفق القانون الدولي، كما أن السكان يعتبرون أذربيجانيو الجنسية على الرغم من انتمائهم لاثنية الأرمن.

إن صعوبات التوصل إلى حل سلمي تبدو كثيرة، في ظل ضعف الحوافز التي يمكن البناء عليها للوصول إلى حل يرضي رغبات شعب الدولتين، علاوة على معوقات أخرى كالصراع التركي الروسي القديم، حيث تدعم موسكو الموقف الأرمني بقوة، وفي نفس الوقت تستفيد من ثراء أذربيجان، فتكتفي ببيع السلاح لها. فضلاً عن مواقف إيران لاعتبارات تاريخية ومذهبية، إضافة إلى مصالح الولايات المتحدة الأميركية صاحبة النفوذ في تلك المنطقة الإستراتيجية والغنية.

إن قوس المشاكل الممتد في خواصر روسيا الغربية والجنوبية المتاخمة لتركيا، علاوة على التدخل الروسي في الأزمة السورية وسياقات حله المتعثرة، تبدو أن هذه الأزمة تحديدا، هي من قبيل إدارة الأزمة بالأزمة، لذا تبدو فرص استيعابها وإمكانية حلها دونها صعوبات في المدى المنظور، وهي مرشحة لعمليات شد وجذب ربطا بالحرب الباردة بين موسكو وأنقرة، علاوة على أطراف ومحاور تدعم وتتحالف مع كل منهما، وهنا تكمن بالذات تعقيد وتشابك الأزمة الممتدة، التي سيتداخل فيها عوامل محفزة للانفجار لاحقا.

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
إلى أين بحل الدولتين؟
2017-02-20
حدود التوتر الأميركي الإيراني وآفاقه
2017-02-19
ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب
2017-01-30
مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
2017-01-23
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
تحديات الأمين العام للأمم المتحدة
2017-01-11
الخلفيات القانونية والسياسية للقرار 2334
2017-01-09
مآلات العقوبات الأميركية على إيران والاتفاق النووي
2016-12-20
المعلن والمضمر في قانون جاستا الأميركي
2016-10-13
المزيد

 
>>