First Published: 2016-04-28

مفارقات من يوم 25 أبريل في مصر

 

عبارة 'يوم الأرض' استخدمت عن قصد لتخريب علاقات مصر مع السعودية، بعد أن شهدت تطورا إيجابيا، بتصويرها على أنها 'دولة محتلة'.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

اليوم الذي تحتفل فيه مصر منذ 34 عاما بعيد تحرير سيناء، حاول البعض تفريغه من مضمونه، وتحويله للتعبير عن الاعتراض على عودة جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، كمحاولة لإيجاد صورة نمطية توحي أن هناك "تفريطا في الأرض"، يقود إلى التحريض على السياسات التي ينتهجها النظام الحاكم.

المفارقة أنه تم استخدام عبارة "يوم الأرض"، عن قصد لتخريب العلاقات مع السعودية، بعد أن شهدت تطورا إيجابيا، وتصويرها على أنها "دولة محتلة"، لأن "يوم الأرض" في الأدبيات العربية يحييه الفلسطينيون في 30 مارس من كلِ عام، وتعود أحداثه إلى مارس 1976 بعد أن قامت إسرائيل بمصادرة آلاف الأمتار من الأراضي ذات الأغلبية الفلسطينية، وعم إضراب عام ومسيرات من الجليل إلى النقب، واندلعت مواجهات أسفرت عن سقوط ستة فلسطينيين وأصيب واعتقل المئات.

يعتبر هذا اليوم حدثا مهما، فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي ينظم فيها عرب فلسطين احتجاجات جماعية، منذ قيام إسرائيل، ردا على سياساتها العدوانية، بالتالي تمهيد البيئة لتبرير أي تصرفات عدوانية ضد السعودية بهذه الذريعة، ومحاولة ضرب التطورات المتوقعة في العلاقات الاقتصادية، وبدلا من أن تكون الجزيرتان قاعدة للتعاون، تتحولان إلى أداة للخلاف.

يستقي هذا الاستنتاج صحته من كمية الوثائق والشهادات التي جاءت من قبل شخصيات محل اعتبار، ولا يريد أحد أن يسمح صوتها، كما أن التصميم الغريب على الدخول في مناطق قانونية، لا مجال لها أصلا، كأن يتم الحديث عن استفتاء وإثارة الشكوك في الدستور، كلها عوامل تعزز الرغبة الجامحة في الاستهداف دون أسانيد حقيقية، لأن كثيرين جعلوا من قضية الجزيرتين مطية لأغراض سياسية خفية، أو اتخذوها مدخلا لتحريك الشارع الصامت.

في هذا السياق يمكن التوقف أمام ثلاثة مشاهد عايشتها يوم الاثنين الماضي، ربما تفسر جانبا من الصورة العامة لما حدث، وتبين لأي درجة أن هناك قدرا وافرا من التشويش الذي يرخى بظلال سلبية على تفسير كثير من التطورات.

المشهد الأول، استمعت لحوار دار بين أربعة من شباب الإعلاميين، شاركوا في المظاهرة المحدودة بميدان المساحة في حي الدقي، اعترفوا أنهم اتجهوا إلى هذا المكان غير المتوقع بالنسبة لرجال الشرطة، بناء على تعليمات جاءتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، بعد أن فشل تجمعهم في كل من ناهيا وميدان الجيزة، وهم لا يعرفون شيئا عن الخطوة القادمة، ونفذوا الأوامر التي جاءتهم، وأخذوا يتندرون في ما بينهم على ما حدث معهم، وكيف فكر كل واحد منهم في الهرب عبر شوارع الدقي، عندما بدأت الشرطة تتعامل معهم بقنابل الغاز.

المفارقة أو النقطة اللافتة، أن درجة عالية من العشوائية وعدم الوضوح تبدو غالبة على الهدف النهائي، فقد تحول التظاهر، والبحث عن قضية للنيل من الحكومة، وارتداء ثوب المعارضة، إلى هدف في حد ذاته، بصرف النظر عن المطالب المعلنة المرجو تحقيقها، الأمر الذي ساعد على تفريغ قضية الجزيرتين من أي مضمون معتبر، حيث تحولت إلى ما يمكن وصفه بـ "حصان طروادة" الذي يمتطيه، الإخوان، والاشتراكيون الثوريون، وحركة 6 أبريل، وقطاع من الناصريين، وبعض القوى والأحزاب المحدودة.

المشهد الثاني، كنت ضيفا في ذلك اليوم على إحدى القنوات الأجنبية الناطقة بالعربية، ومعي في الحلقة فقيه قانوني محترم، وناشطة سياسية مصرية متلونة تعيش في واشنطن، كانت معنية فقط بتوجيه انتقادات للنظام المصري، وجمعت كل ما لديها من أحقاد وتناقضات وبثتها على الشاشة، دون أن تملك روابط بينها.

المفارقة أن المذيعة بدت مرتاحة لكلام الناشطة، ومنحتها فرصة جيدة للحديث، وحاولت التشكيك في كلام الفقيه القانوني، وتأويله بصورة مخلة، لصالح إدانة الموقف من عودة الجزيرتين للسعودية، وعندما جاء دوري في الحديث حول تحركات الإخوان والدعوة لمظاهرات الاثنين الماضي، والتأكيد أن هناك بيانات وتصريحات صدرت من جانبهم.

وقبل أن أتوقف عند تحريض يوسف القرضاوي على التظاهر، قاطعتني المذيعة، ولم تسمح باستكمال فكرتي، ما كشف عن وجود مواقف سياسية مسبقة لديها تطرب لمن يقولها، وضمت أذنيها عن سماع من يخالفها الرأي، على الرغم من ادعاء الحيدة والموضوعية، وهو ما يفقد أمثال هذه المذيعة الصدق ويبعدهم عن الحقيقة المطلقة.

المشهد الثالث، ليل خارجي، كما يقول أهل السينما، بالقرب من قسم شرطة الدقي، حيث تجمع عشرات من الشباب والسيدات، من أصدقاء وأهالي عدد من المحتجزين في المظاهرة التي تجمعت في ميدان المساحة، وكنت في طريقي إلى سوبر ماركت قريب من القسم، ولفت نظري هذا التجمع، وعرفت سر وجوده في هذا الوقت، ثم سمعت حوارا مفاده أن دعوات الإخوان للتظاهر أثرت سلبا على الأعداد التي خرجت، وأن الكثير من أصدقاء هؤلاء الشباب فضلوا عدم المشاركة، خوفا من أن يختطفها الإخوان.

المفارقة تكمن في يقين كثيرين أن جماعة الإخوان لديها أجندتها، وتريد بشتى الطرق تكرار سيناريو الفوضى الذي يعم دول عربية مجاورة، ومع ذلك يصمم البعض على اللجوء لسلاح التظاهر في هذا التوقيت، دون اهتمام بالنتائج التي يمكن أن تترتب عليه، في حين يعلنون ليلا ونهارا أنهم من معارضي حكم الإخوان، وضد كل خيار يقود للانفلات، لكن التصرفات تكشفهم، وهي تغني عن أي نفي علني.

مع أن هذه النوعية من المفارقات لم تعد خافية على كثيرين، غير أن البعض يصر على اختزال صك الوطنية في التظاهر والمعارضة بالصوت والصورة، بينما الأجدى لهم ولنا أن تكون هناك رؤية متماسكة لمواجهة التحديات في الداخل والخارج.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
المزيد

 
>>