First Published: 2016-05-01

دونالد ترامب لعبة وسائل الإعلام

 

أخبار الانتخابات الأميركية مرشحة للعبة القفز على الحبل المنشطة للجمهور بالنسبة إلى وسائل الإعلام، فيما يبقى السؤال المنتظر ماذا عن الجمهور في العالم، هل يعبّر عن تذمره أو احتجاجه إزاء إغراقه بالضجيج الانتخابي الأميركي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

لا تتواطأ وسائل الإعلام كما تفعل مع الانتخابات الأميركية، فهي تبحث عما يجعل الباب الدوار لا يتوقف أبدا عن الدوران حتى وإن كان الداخل هو نفسه الخارج من هذا الباب.

وسائل الإعلام الأميركية والغربية إلى حد قريب ومثلها في دول العالم الأخرى تتأثر بطريقة الحثّ الكهرومغناطيسي وتعيد تكرار القصص الإخبارية حتى وإن لم تهم القارئ مطلقا في هذه البلدان، وتسوغ وسائل إعلام هذه الدول أخبارها عن الانتخابات الأميركية بوصف الرئيس القادم إلى البيت الأبيض يهم العالم أجمع مثلما يهتم به الأميركيون.

وإذا كان الأمر برمته كذلك، فكيف الحال مع دونالد ترامب المتنافس على ترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة؟

إنه أكثر من قصة انتخابية، لعبة صحافية مميزة، فمثله لديه بعض الأفكار المجنونة تماما مثلما هي بغيضة، أنه شخص غامض إزاء العنصريين من البيض، يزدري النساء، ويريد أن يعامل المسلمين كلهم كما لو أنهم إرهابيون محتملون، ويجهز الشاحنات من اليوم كي ترمي المهاجرين المكسيكيين إلى ما وراء الحدود.

اتخذت صحيفة واشنطن بوست موقف الناقد الموثوق ضد تصريحات ترامب القبيحة، لكن هذا المرشح صاحب الكلام الفظ عندما جلس مع هيئة التحرير في الصحيفة لاحقا، لم تشكل عدائيته تجاه المهاجرين وازدراؤه للنساء والأقليات سوى جزء صغير فقط من أسئلة هيئة التحرير، لماذا؟

ربما نجد ما يشبه الإجابة عن هذا التساؤل عند فيليب ستيفنز في ما كتبه عن ترامب في صحيفة فايننشال تايمز، فهو يرى في ترامب أنه ليس شخصا سيئا تماما، وربما هناك وجاهة في تفكيره.

تأمل كيف يجد ستيفنز مسوغا له عن كره النساء؟

“حسنا، بالتأكيد، تعد آراؤه المتعلقة بالنساء كريهة، لكن بصراحة نحن نسمع كثيرا من الحديث نفسه في معظم غرف خلع الملابس للرجال”.

ويستشهد بكلام من رودي جولياني عمدة نيويورك الأسبق، حول الشخصية الحقيقية لترامب؟ إنه شخص “مفكر وذكي ومتعلم ومثقف”.

لقد صنع الكاتب الصحافي فيليب ستيفنز لنفسه مساحة صحافية مضمونة ومقروءة وهو يعالج الجانب السار في شخصية دونالد ترامب!

لكن كل هذه القصص مرشحة للعبة القفز على الحبل المنشطة للجمهور بالنسبة إلى وسائل الإعلام، فيما يبقى السؤال المنتظر ماذا عن الجمهور في العالم، هل يعبّر عن تذمره أو احتجاجه إزاء إغراقه بالضجيج الانتخابي الأميركي.

هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” بوصفها مؤسسة ممولة من قبل الجمهور تلقت شكاوى عندما خصصت مساحة طويلة لتغطية خبر وفاة الزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا قبل سنوات، جعلت الجمهور يتذمر من الوقت الطويل الذي خصص لرجل مسن كان معروفا قرب رحيله، بينما أهملت أخبار الفيضانات التي كانت تهدد مدنا برمتها في شمال بريطانيا آنذاك.

وليس متوقعا أن يحدث مثل هذا الاعتراض عند مشاهدي “بي بي سي”، على تغطية الانتخابات الأميركية، لكن ماذا عن الجمهور في دول العالم الأخرى القريبة من الولايات المتحدة والبعيدة؟

لا يتوقع أن يحدث مثل هذا الاعتراض، ليس لأنه قد يضيع وسط الضجيج الإخباري، بل لأن تفكير الجمهور نفسه يتواطأ مع الكوميديا الانتخابية والتشويق القصصي في التنافس كما حدث بالأمس بشأن اللعب حول “بطاقة المرأة” بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون.

فترامب قال إن هيلاري لو كانت رجلا، لما حصلت على 5 بالمئة من الأصوات.

وردت كلينتون على ترامب قائلة إن كان النضال من أجل المرأة يعد لعبا على “بطاقة المرأة”، فإنها ستستمر في ذلك.

إنها قصة مشوقة في حقيقة الأمر، ليس عن الانتخابات بل عن الرجل والمرأة، لن تجد وسائل الإعلام من ينتقدها عندما تتوسع فيها وتعمل بيانات ورسوما عن حظوظ النساء والرجال والتنافس الأزلي بينهما في الحياة، وسيكون بمقدورها في النهاية وضع إشارتين عن ترامب وهيلاري ليس في متن القصة الإخبارية بل بوصفهما من تداعيات التنافس بين الرجل والمرأة.

وهكذا تبقى الانتخابات الأميركية قصة رائجة لا تصيب الجمهور بالملل ولا تدفعه إلى التذمر، حتى وإن شعر فعلا بذلك، كما يحدث مثلا مع رجل متقاعد في بنغلاديش يحمل صحيفته صباح كل يوم إلى المقهى من أجل فائدة ما، لكنه يجد أخبار التنافس للوصول إلى البيت الأبيض قد حظيت بالمساحة الأكبر من صفحات الجريدة، لا يفعل أكثر من جر حسرة والعودة إلى قدح الشاي قبل أن يبرد كأخبار الجريدة الباردة.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
لا توجد أخبار جيدة، ما لم يتوقف الناس عن الصراخ
2017-07-16
التلفزيون مريض ينشر العدوى بين المشاهدين
2017-07-09
شهر من الكسل
2017-07-04
بين أن نصنع أفكارا أو نكرر ما يقوله الآخرون
2017-07-02
عندما تكتسي لغة الصحافة بالخيال الأدبي
2017-06-25
تجارة رجال الدين
2017-06-20
حان الوقت لإعادة النظر في وهم قوة الصحافة
2017-06-18
أن تكون محظوظا بلا تلفزيون
2017-06-13
درس ديني لوسائل الإعلام
2017-06-11
أبعد من تفاحة نيوتن
2017-06-06
المزيد

 
>>