First Published: 2016-05-02

ماذا بعد توقيع الاتفاقية الإطارية للمناخ؟

 

هل سيكون مصير اتفاقية باريس بداية حل أزمة عالمية تبدو كارثية على المجتمع البشري، أم ستكون مثل غيرها من الاتفاقيات؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

تبدو الأرض في يومها العالمي، وكأنها تسبح في أتون غازات تبدو هي الأرفع في تاريخها، حيث سجل هذا العام مستويات قياسية، وهو أمر يستدعي دق النفير لمواجهة جادة، لأزمة لا تقل خطرا عن قضايا تواجهها الدول حاليا.

ويبدو أن توقيع 170 دولة على اتفاقية باريس، التي تم التصديق عليها في مقر الأمم المتحدة، مؤشرا على تعامل المجتمع الدولي بهذا الملف، إذ باتت المشكلة أكبر بكثير من إمكانية مواجهتها بطرق تقليدية، وبات الوضع يتطلب أفعالا لا أقوالا، وبالتالي إن العبرة تكمن في الإجراءات التنفيذية لا بمجرد الالتزام بتوصيات من هنا أو هناك.

من حيث المبدأ، ستسهم اتفاقية باريس لتغير المناخ في الحفاظ على التنمية المستدامة، وتعمل على تحقيق هدف التنمية المستدامة، وقد اعتمدت أهداف التنمية المستدامة مؤخرا من قبل جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بهدف مكافحة الفقر وعدم المساواة والقضاء على المشكلات البيئية، فضلا عن العمل من أجل نشر السلام والرخاء.

كما تعتبر اتفاقية باريس سابقة في نوعها، والتي هدفت لحث جميع الدول للحد من إنبعاثات ثاني أكسيد الكربون. كما تشمل الاتفاقية جزءاً إجباريا وأخر إراديا، إذ أن بعض نصوص الإتفاقية ملزم قانونا، مثل تحديد وتقديم هدف لخفض الانبعاثات، ومراجعته بشكل دوري. ورغم ذلك، فالأهداف التي حددتها الدول هي غير ملزمة.

وقد سعت الاتفاقية إلى امرين أساسيين، الحفاظ على ارتفاع درجة حرارة الأرض بأقل من درجتين مئويتين، وبذل المزيد من الجهود من أجل ألا يتعدى الارتفاع درجة ونصف فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية.

ويختص الثاني بالتمويل، إذ اقر مبلغ 100 مليار دولار سنويا للبلدان النامية في حلول العام 2020، إضافة إلى الالتزام بالمزيد من عمليات التمويل مستقبلا، ما يعني نظريا، أن الدول النامية لن تسهم بأي مبالغ نقدية، وإنما الدول المتقدمة هي من ستتحمل التمويل.

وتشكل الاتفاقية إشارت واضحة بوجوب التزام الدول بتخفيض مستوى ثاني أكسيد الكربون، وبالتالي إن التحوّل نحو الطاقات البديلة بات أمرا ضرورياً، بمعنى آخر، ترسل الاتفاقية إشارات واضحة إلى أسواق الطاقة الدولية، بوجوب التحوّل النوعي، من الاستثمار في الفحم والنفط والغاز كمصادر للطاقة الأولية، إلى الاستثمار في مصادر الطاقة منخفضة الكربون، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية.

إن غالبية القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة والسياحة تعتمد بصورة شبه كاملة على الوقود الأحفوري، ما يولد نسبة كبيرة من إنبعاثات الغازات الدفيئة؛ وبالتالي، فان أي إجراءات ستتخذ في هذا الصدد في الدول التي تتبنى قوانين لخفض الإنبعاثات بهدف الالتزام بالاتفاقية، قد تؤثر سلبا على طلب الوقود الأحفوري، الأمر الذي سيؤدي إلي تضرر إقتصادات الدول النفطية.

وبالتالي تعتبر الاتفاقية تحدّيا جدّيا لهذه الدول، بخاصة أن النفط سيستمر لفترة أطول مما هو متوقع، فطبقا لوكالة الطاقة الدولية، يمثل النفط والغاز حوالي 53٪ من إجمالي إمدادات الطاقة الأولية.

ثمة تحدّيات قانونية ومالية كثيرة تواجه تنفيذ الاتفاقية، بخاصة وان محاولات كثيرة مماثلة جرت في السابق، ولم تكن النتائج مشجعة أو مقبولة، فمنذ مؤتمر ريو دجيميرو في العام 1972 وحتى تاريخ التوقيع على اتفاقية باريس في 22 نيسان الحالي، ثمة العديد من المصاعب التي واجهت العديد من المقررات، من بينها التصديق عليها من قبل برلمانات الدول وبالتالي بقاء المقررات دون آليات تنفيذية ملزمة للحكومات، إضافة إلى الجوانب التمويلية التي كانت سببا دائما لإعاقة التطبيق، سيما وأن الدول المتقدمة رصدت مبالغ دون الإقدام على تقديمها لصالح الدول النامية، كما ان الدول المتقدمة تعتبر المصدر الأكبر لتلويث البيئة والاحتباس الحراري، كالولايات المتحدة والصين وروسيا والهند.

فهل سيكون مصير اتفاقية باريس الإطارية بداية حل أزمة عالمية تبدو كارثية على المجتمع البشري، أم ستكون مثل غيرها من الاتفاقيات؟ الأمر مرهون بجدية الدول الغنية بالتمويل وبصدق النيات.

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
تحديات قمم ترامب في الشرق الأوسط
2017-05-27
الاتحاد والمملكة غير المتحدة
2017-04-05
خلفيات التوتر التركي الأوروبي وتداعياته
2017-03-21
دلالات الفيتو المزدوج في مجلس الأمن
2017-03-05
إلى أين بحل الدولتين؟
2017-02-20
حدود التوتر الأميركي الإيراني وآفاقه
2017-02-19
ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب
2017-01-30
مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
2017-01-23
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
المزيد

 
>>