First Published: 2016-05-02

الأقليات في حلها وترحالها

 

من المؤسف أن يكرس الدستور العراقي مفهوم الأقليات تحت شعار حماية حقوقها، وهو ما يعني ضمنياً الغاء مفهوم المواطنة، مما جعل حتى السنة أقلية تواجه الإقصاء.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

في العالم المتقدم ليست هناك أقليات عرقية أو دينية. لقد حل مفهوم المواطنة المشكلة. ما من أكثرية أو أقلية إلا على مستوى افتراضي، كما هي الحال في الحياة السياسية.

لذلك لم تعد مساهمة الفرد في الحياة العامة رهينة باصوله أو دينه، بل بمستوى قدرته الذاتية على الابتكار والتجديد بما يهب معنى التنافس الحر معنى إيجابيا وبما يضمن للمجتمع قدرته على التطور وتجديد حيويته.

ولو ألقينا نظرة على أكثر الدول حضورا على مستوى صناعة مفاهيم الحياة الحديثة لوجدنا أن شعوبها متعددة الأعراق ومختلفة الديانات من غير أن يقف ذلك التعدد والتوع عائقا في وجه وحدتها الاجتماعية والسياسية.

في تلك الحالة يكون العكس هو الصحيح. فكلما ازداد التنوع كلما ارتفع منسوب الغنى الثقافي. وهو ما يحقق ازدهارا فكريا من شأنه أن يوسع افاق البحث عن حلول خلاقة للمشكلات التي تطرحها الحياة.

وقد تكون مجتمعاتنا العربية محظوظة بذلك التنوع البشري الذي أغنى ثقافتها بمصادره في عصور الرقي الحضاري التي عاشتها عبر الزمن.

فالعلماء والمفكرون والزعماء السياسيون والادباء من غير العرب والمسلمين كان لهم دور بارز في انجاز الصورة التي ظهر من خلالها العرب والمسلمون بإعتبارهم امة متحضرة، كانت في لحظة ما تقف على قمة السلم الحضاري.

لم يكن مفهوم الآخر قائما على أساس الانتماء العرقي أو الديني، بل على أساس فكري، هو في حقيقته دليل الثراء الخيالي الذي يتمتع به المجتمع، وهو يسعى إلى أن يكون مرآة صادقة لقدرة أفراده على الخلق والابتكار.

اما حين حل الانحطاط فإن كل المفاهيم قد ذهب إلى أسوأ ما تنطوي عليه من معان، فبدأ الآخر عدوا، بعد أن برزت على السطح النزعات الاقصائية التي تعود إلى مرحلة ما قبل قيام الدولة الحديثة.

وما تكريس مفهوم الأقليات إلا محاولة لعزل جزء عزيز من المجتمع وتقييد حركته داخل المجتمع ودفعه إلى التفكير في الخيارات السرية التي تضمن له سبل الحماية في مواجهة التهديدات التي ينطوي عليها سلوك المجتمع الملغوم بالشك والحذر والريبة.

وليس هناك أقسى من أن يتخلى المجتمع عن جزء أصيل منه لأسباب ملفقة تعبر في حقيقتها عن خوف مفتعل من الأقليات التي تم اقصاؤها وعزلها وتدمير السبل التي تحقق احتواءها من قبل الحاضنة الاجتماعية التي يفترض أنها تضم الجميع، متساويين في فرص العيش الكريم والمساهمة في البناء.

لقد خسر العراق على سبيل المثال أكراده ويهوده ومسيحييه وصابئته وايزيديته وتركمانه حين حولهم إلى أقليات، صار عليها أن تبحث عن حلول لحياتها خارج النسيج الاجتماعي الموحد للمجتمع العراقي.

وهو ما دفع نسبة كبيرة من أفراد تلك الأقليات الى مغادرة وطنهم الأصلي بشكل نهائي بعد أن ضاقت أمامهم السبل.

ومن المؤسف حقا أن يكرس الدستور العراقي وهو القانون الأعلى في مختلف صوره مفهوم الأقليات تحت شعار حماية حقوقها. وهو ما يعني ضمنيا الغاء مفهوم المواطنة الذي يضمن تلك الحقوق.

في تلك الحالة لم يكن مفاجئا أن يتحول أتباع المذهب السني من العرب هم الآخرون إلى أقلية، تمارس في حقها كل أنوع الاقصاء والالغاء والتهميش والابعاد. ذلك لأن تكريس ثنائية الأكثرية والأقلية القائم على أساس عرقي وديني هو باب مفتوح على الفتنة التي لا تقف عند حدود معلومة سلفا.

في الوقت الذي يتحرر فيه العالم من العنصرية ليرتقي إلى حقيقته فضاء مفتوحا على اللقاءات بين البشر القادمين من كل مكان بمختلف أفكارهم تضيق بلدان عربية بتنوع سكانها بعد أن كانت شعوبها عبر التاريخ تضرب مثلا على التسامح والتعايش والتراضي.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الغام الاخوان تحت أقدام المصريين
2017-05-29
مطبخ قطر الإسلامي
2017-05-27
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
المزيد

 
>>