First Published: 2016-05-03

أن يكون المرء طائفياً

 

كشفت التجربة الكارثية التي لا يزال العراق يعيش فصولها أن الطائفيين لا يصلحون لبناء دولة. لأن مشروعهم يقوم على الفتنة من أجل تمزيق وحدة المجتمع.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

الطائفية ليست خيارا مريحا إلا في حالة أن يكون المرء المصاب بها مجنوناً، فهي ليست ظاهرة اجتماعية أو ثقافية بل هي وباء يصيب المجتمع والثقافة فيهلكهما وينتج بدلا منهما عصبة مسكونة بالرغبة في الانتقام وكماً هائلا من الخرافات التي تمجد الكراهية.

لذلك فإن التجمعات الطائفية هي تجمعات مريضة، لا يمكن النظر إلى أفرادها بإعتبارهم بشراً أسوياء. فبعد أن وظفوا حواسهم في خدمة العنف الموجه إلى الآخر المختلف عنهم فقدوا القدرة الطبيعية التي يميز من خلالها الإنسان الأشياء عن طريق حواسه.

الطائفي لا يرى إلا نفسه ولا يسمع إلا صوته ولا يشم إلا راحته ولا يتذوق إلا طعامه ولا يلمس إلا جسده. وهو ما يصنع منه كائناً شاذاً، لا يمكنه أن يعيش إلا مع مَن هم على شاكلته.

ولأنه فقير الخيال فإن الطائفي لا يمكنه أن يتخيل وجود بشر عابرين لطوائفهم. وإذا ما التقى يوما شخصا من ذلك النوع فإنه يعتبره خائنا لأصله. ذلك لأن الطائفة بالنسبة له هي أصل كل شيء. هي مرجع كل شيء. كل فكرة نظيفة من النزعة الطائفية انما يُراد منها اقتلاع الجذور.

ولا أبالغ إذا ما قلت إن الطائفي يشعر براحة عميقة حين يلتقي شخصا مصابا بمرضه نفسه، بغض النظر عن الطائفة التي ينحاز إليها ذلك الشخص؛ فالطائفيون وإن تقاتلوا في ما بينهم فإنهم في النهاية أخوة في فكرتهم عن العالم والحياة. فالماروني المريض بمارونيته هو مرآة تعكس بصدق صورة الشيعي المريض بشيعيته.

ولأنهما يفعلان الشيء نفسه يجد كل واحد منهما في ما يفعله الآخر سببا يبرر من خلاله أفعاله. وهما يعرفان أن أحدهما لا يمكنه أن يستغني عن الآخر.

كان طائفيو الشيعة في العراق يرفعون شعار مظلومية الطائفة تفسيرا لنزوعهم إلى الانتقام. اما حين استلموا الحكم فإنهم لم يكتفوا بالانتقام لمظلوميتهم المفترضة، بل بحثوا في السنة الذين استضعفوا عمَن ينافسهم في طائفيته ليشركوه في الحكم، فيكون وجوده هناك سببا في استمرارهم في حربهم المقدسة.

لقد أثبتت التجربة الكارثية التي لا يزال العراق يعيش فصولها أن الطائفيين لا يصلحون لبناء دولة. يكمن سبب ذلك في أن مشروعهم الذي يقوم على الفتنة من أجل تمزيق وحدة المجتمع يتناقض كليا مع بناء دولة الذي هو مشروع وطني.

ما من شيء يشجع الطائفي على حب وطنه الذي يشاركه الآخرون العيش فيه. وطن الطائفي يقع في الطائفة، وهي فكرة تجريدية وليست أرضا. فكرة لا يترك معه في تنفس هوائها إلا أمثاله.

مَن ينصت بهدوء إلى أحاديث السياسيين العراقيين يشعر بهول ما تحمله من أوهام. أحدهم وهو مفوه طائفي دعا ذات مرة العرب من منصة الجامعة العربية إلى التعلم من تجربة العراق الجديد. بالرغم من أن هناك اجماعا عالميا على فشل تلك التجربة وفساد روادها وانحطاط القيم التي رسختها في نفوس العراقيين.

سخر الكثيرون من ذلك السياسي وأعتبروه معتوها، غير أن الحقيقة ليست كذلك. فما يعنيه ذلك السياسي المفوه كان بعيدا كل البعد عن إمكانية فهم الآخرين الذين لم يأخذوا بعين الاعتبار طائفية الرجل.

فشيعة الحكم نجحوا فعلا في بناء عراق يشبههم.

نجحوا في اثارة النزعات الطائفية لدى الآخرين مطمئنين إلى أن مادة الفتنة ستظل جاهزة دائماً. نجحوا أيضا في إدارة حرب أهلية، راح ضحية لها جزء عزيز من الشعب العراقي، اقرارا لمبدأ القتل على الهوية. وأخيرا فإنهم نجحوا في التخلص من جزء من العراق وهو الجزء الذي يقيم على أرضه عدوهم السني حين سلموه من غير قتال لداعش.

تجربة العراق تقول إن لا شيء بالنسبة للطائفي يعلو على الطائفة، حتى وإن كان الوطن هو ذلك الشيء.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
حزب الله وداعش الوجه والقفا
2017-09-12
المزيد

 
>>