First Published: 2016-05-05

الثمن السياسي لكرامة المصري

 

حماس مطلوب ولكن في توقيت خاطئ لمعرفة أسباب مقتل مصريين في الخارج.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الحلم الذي راود كثيرون منذ فترة قد يتحول إلى حقيقة، فكم مواطنا يشعر بالضيق عندما يتعرض مصري للإهانة أو تزهق روحه ولا تتحرك الحكومة؟ وكم شخصا سيطر عليه حلم وقوف سفارة بلاده خلفه وهو يعمل أو يزور أي دولة؟ وكم مصريا تمنى أن يتحقق مطلب الكرامة الإنسانية الذي كان جزءا من أهداف ثورتي يناير ويونيو؟

أعتقد أن الملايين تطلعوا إلى اليوم الذي يجدوا فيه سفراء ووزراء ومسؤولي بلدهم بالقرب منهم عندما يتعرضوا لأزمة أو محنة في أي بلد آخر، وكانت لديهم غيرة كبيرة عندما يجدوا مواطنا أوروبيا أو أميركيا تنقلب الدنيا ولا تقعد بسبب تعرضه لمشكلة، والأدهى أن حكوماتنا المتعاقبة درجت على أن تتعاطف مع هذا الأجنبي أو ذاك ولا تعبأ بمعاناة مواطنيها، بل تنحاز تلقائيا إلى الآخرين، وقد عبر الفيلم السينمائي المصري "عسل أسود" بطولة الفنان أحمد حلمي بسخرية لاذعة عن هذه الازدواجية، حيث كانت الأبواب تفتح أمام الشاب "سيد العربي" إذا قدم للجهات المسئولة جواز سفره الأميركي وتغلق بالمفتاح إذا كشف عن نظيره المصري.

الآن جاء اليوم الذي تنتفض فيه وزارة الخارجية والحكومة المصرية، عندما يتعرض أحد المواطنين للقتل أو الاختفاء، وهي عملية جيدة، ظهرت ملامحها مع إيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة مؤخرا، حيث بدا الاهتمام واضحا في تصورات وتصرفات بعض الجهات المسؤولة، وكان الخطاب السياسي مثيرا، حيث لم يعتد كثير من المصريين على هذه المعاملة، ربما تم استخدامها في أوقات سابقة نادرة، لكنها لم تصبح في أي يوم من قناعات الحكومات المصرية المتعاقبة.

التعامل الجديد لا زال بعيدا عن المستوى المطلوب، فقد أهمل العديد من المشكلات والأزمات التي يعاني منها مواطنون مصريون في بلدان مختلفة، وتجاهل تبني خطة تكشف عمق الحرص على مصالحهم، وعدم التفريط في كرامتهم.

الحالات التي ظهر الدفاع فيها عن مواطنين ارتبطت غالبا بأجواء ومصالح سياسية، ولم تعبر عن إستراتيجية، كما أنها لم تكن انعكاسا لممارسات تلقائية ومعتادة، حيث اصطحبت معها قدرا من الافتعال والتناقض، ما قلل من القيمة المعنوية للدور الجديد، ففي حالة الشاب المصري الذي اختفى في إيطاليا تم تبني قضيته والتشبث بمعرفة أسباب اختفائه، على الرغم من مضي سنوات، وعقب اشتداد حدة أزمة الشاب الإيطالي جوليو ريجيني الذي وجدت جثته ملقاة على أطراف القاهرة، وتحول إلى قضية تجاوزت حدود إيطاليا، عندما استثمرتها الكثير من منظمات المجتمع المدني في أماكن متعددة.

كما أن المطالبة المصرية أخذت بعدا ساخرا، حيث أصرت الحكومة على طلبها، وهي التي تجاهلته منذ اختفائه، للدرجة التي تهكمت بعض الصحف الإيطالية علينا، وخشيت أن نطالبهم الآن بالكشف عن تفاصيل تراجيديا مصرع كليوباترا على يد مارك أنطونيو.

في السياق نفسه، جرى تبني موقف الدفاع أيضا في حالة الشاب المصري الذي لقي مصرعه حرقا في لندن، بعد أن تزايدت ضغوط الحكومة البريطانية على مصر، دفاعا عن الشاب الإيطالي، وأصبح صوتها ربما أعلى من صوت روما، واكتملت منظومة الدفاع مع الولايات المتحدة، حيث طالبتها بالكشف عن أسباب مصرع مواطن مصري ووضعه داخل صندوق قمامة.

كان من الممكن للتدخلات المصرية في هذه الحالات أن تكون أكثر جدوى لو جاءت في سياقات أخرى، وخالية من المعاني السياسية، فقد تم فهمها على أنها ردود أفعال مكتملة الأركان، بسبب الضغوط التي تعرضت لها الحكومة المصرية، وتصاعد الارتباك الذي خيم على الأداء الرسمي العام في التعامل مع أزمة الشاب الإيطالي ريجيني، من هنا يصعب فهم الحرص المستميت على فك ألغاز المواطنين الذين لقوا حتفهم أو اختفوا في ظروف غامضة، على أنه تغير في المنهج التقليدي.

التغير الحقيقي يتطلب أن يتطرق إلى حالات أخرى في دول لا توجد معها أزمات سياسية مباشرة، ناجمة عن أو تتعلق بحقوق الإنسان والحريات عموما، ولا تكون مقتصرة على حالات الوفاة والاختفاء، بل ترتبط بالأسلوب الذي تتبناه الحكومة المصرية في التعامل مع مواطنيها في كل مكان، وليس دولا غربية بعينها، أي تكون المكونات الرئيسية بعيدة عن دفع أو مقابل تكاليف سياسية محددة، نتيجة التعرض لضغوط للكشف عن حقائق مطلوب معرفتها.

المشكلة أن دفاع الحكومة لم يكن مقنعا بالمرة، لا على جانب تخفيف الضغوط، أو حتى توصيل رسالة رمزية للداخل بأنها حريصة على كرامتهم.

في الحالة الأولى، تعرضت الحكومة إلى مزيد من الضغوط، لأن مطالباتها لهذه الدول، جاءت تالية لتصرف غربي ثابت، يقوم على مبدأ الدفاع عن حقوق جميع المواطنين في كل وقت وبلا استثناء وفي جميع الحالات التي لها علاقة بالمواطن كإنسان، ولا تتوقف عند الوفاة أو الاختفاء، وجلب التعامل على الطريقة المصرية بعض الاتهامات، ليس لأن رمي الكرة في ملعب الخصم كان توظيفا سياسيا، وهذا لا غضاضة فيه، لكن لأن الافتعال بدا مكشوفا، وهو ما وضع الحكومة في خانة ضيقة، فطريقتها تريد أن تبعد عنها الشبهات بصورة أساسية.

في الحالة الثانية (رسالة للداخل) هناك توجهات وممارسات في الداخل يجب أن تسبق مخاطبة الخارج، فكرامة المواطن المصري يجب أن تكون محل اعتبار في بلده ومن قبل الجهات التي يتعامل معها، بدءا من قسم الشرطة وحتى استلام حصته من التموين، وعندما نصل إلى مرتبة الاحترام في المعاملات اليومية مع الجهات الرسمية، يمكن بسهولة الثقة في أن مصر تحافظ كرامة مواطنيها بدون تفرقة وبلا أثمان سياسية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
المزيد

 
>>